رواية بين شباكها الفصل الثالث

مواضيع مفضلة

رواية بين شباكها الفصل الثالث

 

 

 فز إسماعيل واقفاً وقد احمر وجهه غضباً بعد رؤية فعلة والد اروى، وقبل ان يتخذ اي موقف كانت خديجة تهاجمه بصراخ جنوني وهي تدفعه وتضربه بغل
- بتضربها! هكسر ايدك، هكسرها يا ابن الـ.



اسرع اسماعيل ليسحبها بعيداً عن والد اروى الذي ارتمى على الاريكة اثر دفع وضرب خديجة المُفاجيء، في تلك اللحظة دلف يونس للشقة وهو يلهث والعرق يسيل على رقبته وجبينه، توقف ناقلاً نظراته بين اروى التي تضع كفها على وجنتها وهي على الارض، ووضع والديه، رسمت مخيلته له ما حدث، فثار جنونه، تقدم بخطوات واسعة وهو ينوي ان يشوه وجه والدها الحقير لكن نظرة إسماعيل الصارمة له اوقفته، تحكم بنفسه بصعوبة شديدة، وقد بدى غصبه جلياً على ملامح وجهه القاسية.

اعتدل والد اروى وعلى وجهه ابتسامته السمجة القاسية كعينيه التي يرمق بها اروى، خرج صوته المُنفر.
- عاجبِك كدة!، الناس تشوف قلة ادبك!
تحرك اليها فأنكمشت اروى بخوف، داهمتها ذاكرتها بأفعاله القاسية معها.
بينما اسرع يونس ليقف امامه مُعيقاً طريقه والنيران تتلظى وتلتهب في عينيه اتجاهه، فتشابكت اعين الاثنين بنظرات مُشتحنة، سخر والدها دون مرح وبنبرته الخشنة
- كبرت وعايز تقف بيني وبين بنتي!

ضغط اسماعيل على ذراعيّ خديجة وكأنه يحذرها بعدم التهور ثم أزاحها جانباً بلطف ليتقدم بضع خطوات من والدها، صدع صوت اسماعيل القوي
- اقعد وأتكلم واتناقش زي الناس، ولو مبتعرفش يبقى خد نفسك وامشي احسن
رفع والد اروى جانب شفتيه بسخرية حادة وهو يرفض
- مش هتناقش معاكم في حاجة تخص بنتي
اعان يونس اروى على النهوض، ظل محتوي كفها بين اصابعه بقوة وهو يخفيها خلفه، بينما رد اسماعيل بصرامة.

- هي مديانا الحق دة، ولو مش عاجبك اتفضل برة
ضحك والدها في خشونة، استقرت انفاسه وتجهم وجهه وهو يقول بفظاظة
- مش بمزاجك ولا بمزاجها، انا ابوها وانا اللي اقرر
استجمعت اروى نفسها من جديد لترد عليه بعدوانية، فـ يونس معها الان، سيحميها إذ حاول والدها ان يتعدى عليها.
- انا مش صغيرة عشان تقرر عني
نظرت لوالدها بتحدي وهي تُضيف
- بالنسبة للعريس، اتجوزه انت.

سحبت يدها من بين كف يونس واتجهت لغرفتها ولحقت بها خديجة، اتى ان يُسرع والدها اليها للمهاجمة لكن يونس منعه، قبض على رقبته بعنف فتاك، وقد تشنجت ملامح وجهه اكثر لتصبح اكثر قساوة، فأحمر وجه والد اروى اثر اختناقه، حاول دفعه، لكن لولا تدَّخل إسماعيل لِما كان افلته ابداً.
اخذ يسعل بقوة، قال بين انفاسه اللاهثة
- هرفع عليكم قضية و..
انفجر إسماعيل صارخاً بصوته الجهوري الصاخب
- برة.

نقل والد اروى بصره بينهما، هز رأسه بتوعد وهو يتنفس بخشونة، ثم استدار وغادر وبداخله يغلي.
استدار يونس فور مغادرة الاخر، نظر لوالده ليسأله بإنفعال
- عريس اية؟ عايز يجوزها؟
اومأ إسماعيل برأسه مؤكداً صحة ذلك، ابتعد مُتجهاً لغرفة اروى، طرق بخفة ثم برم المقبض.
نهضت اروى من جوار خديجة وهي تسأله بلهفة
- مشي؟
- مشي
طبقت جفونها وهي تتنهد براحة، عادت لتفتحُهما، اخفضت رأسها، قالت بإمتنان
- شكراً لأنكم معايا.

تقدم منها إسماعيل، ابتسم لها وهو يقف مُقابلاً لها، ثم عانقها مُربتاً على ظهرها بحنان هاسماً بجانب اذنها
- احنا دايماً جنبك
تلألأت الدموع في مقلتيها وهي تبتسم بتأثر، رفعت بصرها لتنظر لـ يونس الواقف عند الباب والذي كان ينظر لها أيضاً، نظرة مُشتعلة أم دافئة!، فشلت في تحديد ذلك.

دقت الساعة منتصف الليل..

خرجت اروى من غرفتها مُتجهة للمطبخ، ارتفعا حاجبيها حين رأت يونس جالساً على السفرة الصغيرة الموجودة في منتصف المطبخ الواسع، يحتسي الشاي بشرود، جذبت انتباهه بوقع خطواتها المزعجة.
- صاحية لدلوقتي لية؟
اجابت وهي تفتح الثلاجة
- كنت بتكلم مع رهف ولسة قافلة معاها.

غمغم ولم يُعلق، بينما اخذت اروى زجاجة الماء البارد وجلست في المقعد المقابل لمقعده؛ وضعت الزجاجة على الطاولة قبل ان يستقر بصرها عليه، شاركته تخيلاتها مع ابتسامة صغيرة حالمة على شفتيها
- تخيل بابا أجبرني اني اتجوز، وعمو اسماعيل قالك اتجوزها يا يونس عشان تساعدني، هتعمل اية وقتها؟ هتوافق؟
فكر بذهول، هل لديها القدرة للتفكير بأفكار كهذه! من المفترض ان حالتها النفسية لا تسمح بذلك.

- مترسميش سيناريوهات مستحيلة
اخبرها بصراحة لم تفهم سببها
- مستحيلة!، لية؟
- لأنه عمره ما هيفكر يربطنا ببعض
- بس عمو اسماعيل بيحبني
لم يُعلق، احتسى الشاي من كوبه ثم قال
- بس هندور على حل اكيد
رفع بصره لها، مد يده يتلمس وجنتها التي تلقت الصفعة بخفة، سألها بخفوت دافئ
- لسة واجعِك؟
تعلقت حدقتيها بخاصته، ابتسمت وهي تنفي ذلك؛ فأعاد يده لجواره ونهض، قال اثنا ابتعاده
- تصبحي على خير
ردت بصوت حاني.

- وانت من اهله
بعد دقائق عادت لغرفتها، القت بجسدها على الفراش وسرعان ما ذهبت في سُبات عميق جرفها الى كابوس اخر..
تتكرر احداث مُقابلة اليوم مع والدها، لكن يتوقف كل شيء مع رفع والدها لذراعه حتى يصفعها لكن يأتي إسماعيل ليعلق كفه في الهواء دون لمس اروى، تراجعت الاخيرة خطوة للوراء وهي تنظر لهما.
ابتسم والدها ببرود قائلاً بغموض لـ إسماعيل
- متنساش، انا هو انت.

عصر اليوم التالي
خرجت خديجة من المطبخ وهي تحمل طبق به كعك، وضعته على الطاولة الصغيرة المُقابلة للتلفاز، لاحظت شرود اروى فجذبت انتباهها.
- مالك سرحانة لية يا رورو؟
تكهنت بِما يُشغل بالها، فقالت بحنان
- لو بتفكري في اللي حصل امبارح انسيه وكأنه محصلش، لأن عمك هيحميكِ، كلنا معاكِ
رفعت اروى بصرها لـ خديجة وابتسمت لها بصمت؛ حل السكون لفترة وجيزة حتى تطرقت خديجة لحديث اخر قد نسته سابقاً.

- احكيلي صحيح، اية اللي حصل في فرح امك؟ نسينا نتكلم عن الموضوع دة
لم تنسى اروى بل تجنبت الحديث عن هذا الامر، وتعلم ان خديجة لن تتركها إلا بعد سرد تفاصيل ما حدث.
- قضيت اول يومين مع رهف من غير ما أعرف ماما اني هناك، وطبيت عليها في الفرح، طبعاً اتصدمت ووشها جاب ألوان
ارتفعا حاجبي خديجة بذهول وهي تسأل
- يعني هي مش معرفة جوزها ان عندها بنت؟
- ايوة، اكتشفت دة من رد فعله.

اضافت اروى وقد بدأ الحماس يعود لها
- انتِ عارفة ان جوزها اصغر منها؟
هتفت خديجة بذهول
- بجد!
- ايوة، اصغر منها بعشر سنين بس باين عليه انه شاب
- يلهوي عليها
تناولت اروى قطعة من الكعك ثم تابعت
- المهم، قدِّمت نفسي وسلمت على العريس، اتصدم هو التاني وبص لـ ماما، روحت انا سبتهم وقعدت على الطرابيزة اكل بكل برود
ابتسمت خديجة برضا وحثتها بأن تُكمِل
- وبعدين؟

- عدى الفرح وكان مكهرب، نظرات بين ماما وعريسها، بعد ما الفرح خلص والمعازيم مشيوا، كنت لسة قاعدة متابعاهم من بعيد وكان باين عليهم انهم بيتخانقوا، طبعاً اتبسطت لاني خربت عليها
ابتسمت بشر، واستطردت
- جيت اقوم عشان امشي لقيت ماما بتناديني و..
تذكرت ما حدث حينها.

رفعت والدتها فُستانها وتقدمت منها بخطوات واسعة، بجانب نظراتها الغاضبة، أمسكت بذراع اروى دون رفق وسحبتها خلفها للخارج، تركت ذراعها وهي تدفعها امامها حتى كادت ان تسقط.
تحدثت والدتها بغيظ وقهر وغضب
- عرفتي منين ان فرحي النهاردة؟ ابوكِ قالك؟ قالك تيجي تخربي عليا؟
واجهتها اروى بنظراتها الجليدية، أقرت ببساطة
- هو فعلاً اللي قال لي، بس انا اللي حبيت اخربها عليكِ.

اقتربت من والدتها بخطوة، اخفضت نبرة صوتها وهي تبتسم لها بإستفزاز، بينما حدقتيها تتوعد لها
- مش هخليكِ تعيشي حياتك بالبساطة دي، زي ما كنتِ السبب في خراب حياتي، انا هكون نفس السبب في خراب حياتك
استعرت النيران اكثر بداخل والدتها وظهر هذا جلياً في حدقتيها، تقدمت من اروى بملامح كارهة، اشارت إلى قلب اروى وهي تقول ببغض
- انتِ سودة هنا، شيطان ساكن في قلبك، ودة سبب كرهي ليكِ من اول يوم ولدتك فيه.

ابتسمت بقسوة ككلماتها اللاذعة
- مش ندمانة على اللي عملته فيكِ، كل مرة اشوفك فيها اتأكد ان كان معايا حق اني سيبتك ومتمسكتش بيكِ، تخيلي وانتِ بعيدة مخلية حياتي زفت، اومال لو كنتِ قريبة مني وربيتك كانت حياتي هتبقى ازاي؟
امتلأت مقلتي اروى بالدموع اثر كلمات والدتها التي اصطدمت بقلبها مُباشرةً، رغم اعتيادها عليها إلا انها مؤلمة في كل مرة تسمعها، بل يزداد ألمها.
- بكرهك.

ادارت والدتها حدقتيها في مقلتيها ببرود
- احسن حاجة عملتيها
استقرت حدقتيها على اروى مُجدداً، اقتربت منها ونغزتها بعنف في كتفها عدة مرات بجانب حروفها المُزدرية
- فوقي لنفسك، انتِ حشرة قدامي يا بت
اوقفت اروى والدتها بإمساك ذراعها بقوة، فدفعتها الاخيرة وأسقطتها ارضاً، اشارت لها مُحذرة
- ارجعي لـ يونس وانشغلي بجريك وراه ومتقلقيش عمره ما هيحبك لانك متتحبيش..
انتشلتها خديجة من شرودها بسبب فضولها..

- نادتِك واية بعدها؟
لم تخبرها اروى عن اي شيء تذكرته، كذبت وقدمت لها سيناريو جديد بعيد عن الحقيقة المُحرجة؛ لكنها لم تستطع كبح نفسها عن السؤال
- هو انا وحشة؟ متحبش؟
استنكرت خديجة سؤالها، واجابتها دون تفكير
- طبعاً لا، دة انتِ قمر وتـ..
قاطعتها اروى بحزن
- طب لية يونس مش شايف كدة!

صمتت خديجة، بماذا ترد؟، نظرت لها بشفقة ورجاء لعدم التطرق لذلك الحديث، فتنهدت اروى واخفضت رأسها، امتلأت حدقتيها بالدموع وهي تهمس بإنكسار
- انا عارفة اني متحبش، بس انا عايزاه يحبني
ثم بكت، توالت شهقاتها العنيفة بكل حزن، بينما صُدِمت خديجة من حالتها المُفاجئة وتوترت، كيف تواسيها؟

في الشركة
- هاتيلي فنجان قهوة
اعترضت شهد على طلب يونس
- تاني! كدة غلط، انت شربت فوق التلت فناجين.

نظر لها برجاء قائلاً بتعب
- شهد متجادلنيش لوسمحتِ
وضحت له بإهتمام
- مش بجادلك بس غلط والله على صحتك
ثم جلست على المقعد المقابل له وحثته
- فضفض معايا وقول لي مالك من امبارح!، مش قولت حليت المشكلة؟
- مفيش حل، المشكلة اتأجلت بس وهترجع تاني، امتى! الله اعلم
- طب قول لي وهساعدك
ساومها بذكاء
- هاتيلي قهوة الاول
نهضت قائلة بإصرار
- هجيبلك سندوتش تاكله وبعدها هجيبلك القهوة اللي عايزها، تمام؟

اخفض كتفيه بإستسلام، حرك كفه بمعنى ان تفعل ما تريده، ليس لديه الطاقة لمجادلة احد.

أقنعت اروى خديجة بصعوبة للخروج، كانت تحتاج وبشدة الذهاب لـ نادر وللحديث معه.
- جيتي متأخر..
جلست على المقعد، قالت بفظاظة لم تقصدها
- شكلي مش هخلّص منك
ابتسم وقال بهدوء
- هتخْلصي لو نويتي تخّفي
هزت رأسها دون امل لذلك، تحدثت مُباشرةً
- شهد زقتني من على السلم، بابا جه وضربني
شغل المُسجل وطلب منها.

- نتكلم عن اول جزئية، لية شهد زقتك؟
ضمت قبضتها بقوة، اخبرته بألم
- قالتلي يا رخيصة، الكلمة جرحتني ووجعتني اوي، شوفت وقتها للحظة ان ماما قدامي، هي دايماً كانت بتقول لي كدة عشان بحب يونس
نظرت له وتابعت بإنفعال
- فضربتها قلم من الغل اللي جوايا، لقيتها زقتني الحقيرة
سألها بنبرته المُسالمة
- وانتِ شايفة نفسك كدة يا اروى؟
ردت بتلقائية..

- لا، شايفة التمسك بشخص بحبه حق، خاصةً اني حاسة ان في امل انه يحبني
- مش ممكن تكوني بتتوهمي!
لم تسمع قوله، تحدثت بشرود وأخرجت ما بداخلها
- انا بتصرف كدة بس مش بإرادتي، لاني اتعودت، ان محدش بيلاحظ وجودي إلا لما اتصرف بتهور وجرأة
- وانتِ شايفة ان يونس ملاحظِك!
اندفعت مؤكدة له
- طبعاً ملاحظني بس..
انخفض صوتها بإحباط مع حروفها الاخيرة، سألها نادر
- بس اية؟
تخطت تلك النقطة وانتقلت لتبرير افعالها.

- كل هدفي انه ينتبهلي، يعرف اني موجودة، مش عايزة يبقى زي اهلي اللي مكنتش متشافة بينهم..
ابتسم ببساطة وهو يقول بإصرار
- بس اية يا اروى؟
نظرت له بطرف عينيها، تباً له، لا يتخطى شيء، تنهدت بإستياء مُقرة..
- بس هو شايفني كـ مسؤولية عليه
- عارفة كدة ومكملة؟
اندفع جسدها للأمام وهي تضغط على كل حرف تنطق به.

- اة مكملة لانه يونس، الوحيد اللي انتبهلي، اللي حسسني اني متشافة ومش منبوذة، اللي ساعدني ودخلني في حياة جديدة، اللي حماني..
قاطعها بالواقع
- بس يونس اللي بتتكلمي عليه مش يونس الحالي
ارتسمت ابتسامة صغيرة على محياها وهي تهز رأسها نفياً
- مين قال!، هو نفسه بس مش بيبن ليا، وامبارح اكبر دليل
- وحصل اية امبارح؟
تساءل، فسردت عليه ما حدث، مجيء والدها وما فعله.

- شوفت في عين يونس الخوف والغضب، وقفته قدام بابا لما حاول يقرب مني تاني، قلبي اطمن وقتها لانه معايا، اتأكدت وقتها انه لسة زي ما هو، بس بيخفي كل دة عشان متعلقش بِه اكتر وأتخلى عن حبي له بس..
اعادت ظهرها للخلف والراحة ظهرت جلياً في حدقتيها، أكملت
- بس هو ميعرفش انه الجايزة اللي هاخدها بعد كل اللي عيشته، فأزاي هتخلى عنه!
ارتفعا حاجبيها وهي تتذكر، اخبرته بقلق.

- الفترة الاخيرة بتجيلي كوابيس، الفترة الاخيرة بس
- عبارة عن اية؟
سردت عليه كوابيسها، فرد عليها
- عشان كل شيء قرب ينتهي..
ثم مال عليها وسألها بخفوت..
- سألتك قبل كدة، هتبقى حياتك طبيعية امتى؟، فاكرة جوابِك
تقابلت نظراتها مع خاصته وهي ترد بخفوت مماثل
- ايوة، لما اهلي يموتوا

بعد مرور يومين..
مغرب اليوم -في الشركة-.

دلفت شهد لمكتب يونس بعد ان طرقت على الباب بخفة، ذُهِلت حين رأته نائماً على الاريكة، اغلقت الباب خلفها وتقدمت منه، ارتسمت على وجهها الابتسامة بتلقائية، كم هو جميل وهو نائم! يبدو كطفل أُنهك في اللعب، جثت على ركبتيها امامه لتتأمله عن قُرب، مدت يدها دون تفكير لتتلمس جبينه بأناملها، انها تشعر بدقات قلبها المُتسارعة، انه يدَقُّ لأجله، يبدو انها تخطت مرحلة الإعجاب به.
من جهة اخرى..

انهت اروى مُقابلتها مع الطبيبة التي طمئنتها على قدمها وذهبت للشركة، رحبت بالجميع، اتجهت لـ مكتب يونس، توقفت عند مكتب شهد، لم تكن موجودة، اين تتسكع؟، أكملت سيرها ودلفت لمكتب يونس.
توقفت بصدمة وهي ترى شهد بهذا الوضع؟، سرعان ما استعرت حدقتيها بنيران الغيرة.
بينما جفلت شهد ونهضت سريعاً حين رأت اروى تقف عند الباب وقد رأتها، لقد كُشِف امرها.

اشارت لها اروى بأن تتبعها وفعلت، اخذتها للمرحاض ليتحدثا هناك وليصبحا بعيدين عن الأعيُن.
- مُصِرة تعانديني؟
سألتها اروى وهي ترمقها بشر، فردت شهد بثبات
- مش بعاندِك، بس هو مش بتاعِك، ممكن لأي واحدة تُعجب بِه وتحبه
- طبعاً في كتير حبوه مش ممكن، بس مشوفتش زيك الصراحة! في وقاحتِك
همست بكلمتها الاخيرة بإزدراء، فأنفعلت شهد وهي ترد بحدة
- متتكلميش عن الوقاحة وهي متجسدة فيكِ
رفعت اروى زاوية فمها بسخرية..

- ايوة بيني وشك الحقيقي، بينيه عشان يونس مش هنا
- دة مش وشي الحقيقي، دة الوش اللي المفروض اتعامل بِه مع اشكالك
ضمت اروى قبضتها بجوارها بقوة، تحاول ان تسيطر على غضبها الذي يحثها على الانقضاض على شهد والفكاك بها، تقدمت خطوة من الاخيرة وقالت بثقة
- احب اعرفِك ان يونس مش هيبص لواحدة زيك، انتِ مش استايله، وغير كدة انتِ عال عليه، جاية هنا واسطة
عقدت شهد حاجبيها بإستنكار وهي تقول بتفكير ساخر.

- هو انا لية حاسة انك بتتكلمي عن نفسك!
زمجرت اروى..
- نعم!
قبضت على ذراع شهد بقسوة وهي ترمقها بشك
- قصدك اية؟، انتِ تعرفي اية عني عشان تقولي كدة؟
دفعت شهد يد اروى بخشونة وهي ترد بهزء
- يونس قال لي قصتك المأساوية، صعبتي عليا وقتها بس شايفة بوضوح انتِ لية لوحدك، ولية بيتخلوا عنك!
صفعتها اروى وهي تلهث من شدة غضبها وصدمتها أيضاً، كيف يخبرها يونس بقصتها؟ ولم يجد سوى شهد حتى يُشاركها؟

وضعت شهد كفها على وجنتها، لم تُصدم هذه المرة، فهو رد متوقع، نظرت لـ اروى بحدقتيها المستفزة و
- مش شايفة انه بيشفق عليكِ! ومش هو لوحده!
صرخت اروى بجنون وهي تلتقط خصلات شعر شهد بوحشية
- اخرسي
لم تصمت شهد وبادلتها فعلتها فألتقطت شعر الاخرى أيضاً، فسقطا كليهما على الارض، هتفت شهد
- انتِ واحدة مريضة، وتعباه معاكِ، انتِ حِمل تقيل عليه
- اخرسي بقولك
- فاكرة ان دة كلامي؟، دة كلامه هو..

توقفت اروى وقد صُدِمت من قول شهد، همست بعدم تصديق
- مستحيل..
فُتِح الباب في هذه اللحظة، توقفت زميلتهم لتنظر لهم بذهول، وأسرعت لتفرق بينهم حين وجدتهما يتشابكان مرة اخرى.
- انتِ كدابة
هتفت زميلتهم طالبة المساعدة، فأتت زميلة اخرى و سلوى لتفريقهم وقد نجحا.
رتبت شهد خصلات شعرها الثائرة، قالت بين انفاسها اللاهثة
- اسأليه، بنفـ، ـسك.

دفعت اروى الأيدي التي تُكتفها وابتعدت مُغادرة، توقفت عند بداية درجات السلم حين لمحت خروج يونس من غرفة المكتب.
عقد الاخير حاجبيه حين لمحها من بعيد بحالتها الفوضوية تلك، وزادت حيرته وتشتته حين قذفته بنظرات مُعاتبة حزينة وغاضبة، لم يفهم شيء، كاد ان يخطو خطواته لها لكنه وجدها غادرت، كذلك استوقفته هيئة شهد الغير مُرتبة أيضاً لكنها افضل حالاً من الأُخرى، ففكر سريعاً، هل تشاجرا معاً!

انتظر حتى توقفت شهد امامه ليسألها
- حصل اية؟
اجابته بإنفعال
- اروى اتجننت، وضربنا بعض، والمرة دي انا وهي الغلطانين، وانا مش ندمانة
تجهم وجهه، امرها بحزم
- تعالي ورايا
توقف خلف طاولة مكتبه وهي واقفة امامه، طلب منها سرد ما حدث، ففعلت.
قسّت قسمات وجهه وأخذ يتنفس بخشونة، ضرب سطح المكتب بعنف وهو يصرخ بثورة
- انا وثقت بيكِ!
جفلت اثر فعلته، ازدردت ريقها وبررت بتلعثم
- هي اللي استفزتني، طلعـ..

اوقفها، لا يريد سماع اي تبرير سخيف منها، اخفض رأسه قائلاً بصرامة رافضاً اي نقاش
- انتِ مطرودة يا شهد.


قسّت قسمات وجهه وأخذ يتنفس بخشونة، ضرب سطح المكتب بعنف وهو يصرخ بثورة
- انا وثقت بيكِ!
جفلت اثر فعلته، ازدردت ريقها وبررت بتلعثم
- هي اللي استفزتني، طلعـ..
اوقفها، لا يريد سماع اي تبرير سخيف منها، اخفض رأسه قائلاً بصرامة رافضاً اي نقاش
- انتِ مطرودة يا شهد.

اتسعت مقلتي شهد بصدمة بعد طرده لها، اهتزت مقلتيها بتوتر وهي تُخفضها بريبة، ماذا تفعل؟، كيف تتصرف؟، تسارعت انفاسها وتسابقت حروفها مُصِرة على التوضيح
- يونس، انا اندفعت، مكنش قصدي اني اقول...
اخفض رأسه وامتزج صوت تنفسه الخشن مع نبرته الجهورية
- مش عايز اسمع زفت حاجة منك، انتِ واحدة، واحدة..
عاجز عن وصفها، بل عاجز عن إخراج الوصف الذي مر بعقله، هل سيوصف به إمرأة! ليس من شيمه.

ضرب بقبضته على الطاولة وهو يشعر بالتخاذل، من نفسه لانه تحدث بأمر حساس كهذا مع شهد ام من الاخيرة التي استخدمته بطريقة شريرة!
- ازاي فكرت انِك مُسالمة لدرجة انك تسمعي نقطة ضعف اروى اللي مستحيل يكون في ود مابينكم، ازاي مفكرتش انك هتستخدمي دة ضدها بالطريقة القذرة دي؟
يوبخها ويعاتبها ام يفعل ذلك لنفسه؟، يجب ان يجلد ذاته اولاً قبل ان يوجه لها اي عتـ...

استوقفته ذاكرته لشيء تغافل عنه سهواً، ما سردته شهد، هناك أشياء لم يقُلها، هل قال انها عال عليه؟ انها حمل ثقيل؟
اشتعل الغضب بعينيه مُنذراً لإنفجار كبير قادم، جز على اسنانه وهو يسألها بخفوت مُرعب
- هو انا قولتلك انها عال عليا؟ انها حمل تقيل؟ اني بشفق عليها؟
اجابت دون تفكير..
- دة اللي حسيته من كلامـ..
ضرب سطح المكتب بغضب اكبر وهو يستقيم، صرخ بصوت جهوري وصل لقمة الغضب؛ انتفض جسدها على اثره.

- متحسيش، متحسيش وتتكلمي من مزاجك وانتِ متعرفنيش
تعلقت حدقتيها المُرتجفة به والتي لمعت الدموع بها، همست بجزع
- انا اعرفك..
لواها ظهره مُحاولاً للمرة الاخيرة السيطرة على نفسه، حذرها
- اخرجي يا شهد، اخرجي وإلا انا مش مسؤول عن تصرفاتي بعد كدة
تحركت شهد في منتصف جملته للباب، وكانت قد غادرت الغرفة مع نهاية حروفه، توقفت للحظة مكانها واضعة كفها على قلبها بألم، ما الذي حدث الان؟ هل طُردت فعلاً.

رفعت بصرها فقابلت نظرات زُملائها من خلف مكاتبهم، نظرات مُختلفة بين الشفقة والشماتة وعدم الاكتراث، اسرعت لتلملم أشياءها لتغادر ركضاً، ودموعها بللت وجنتيها.

اغلقت اروى باب شقتها بقوة لتتوالى شهقات بكاءها المؤلمة، لقد تمالكت نفسها بصعوبة، فالدموع كانت تسيل من جفنيها دون إرادة منها ونظرات الاستفهام كانت تحاوطها وكم هذا ازعجها، لذا انتظرت بفارغ الصبر الوصول لشقتها، لغرفتها، جوفها التي تستطيع البكاء فيه براحة، فما بداخلها يقتلها، فقد كانت كلمات شهد كالصفعة التي قلبت كيانها وكسرت روحها.

انهارت على الارض تقبض على صدرها بقوة، انها تتألم، فقد طعن ثقتها، انه تصرف لم تكن لتتوقعه منه، ان يخبر عدوتها بقصتها المثيرة للشفقة، انه يعلم جيداً كرهها لذكر ذلك، كيف فعلها؟ كيف؟؛ وقبل طعنه لثقتها كان قد شق قلبها بحقيقة مشاعره ناحيتها، انها عال عليه؟، انه يشفق عليها!

استعرت النيران بداخلها لتدفعها للنهوض وتحطيم كل شيء حولها، وسقطت اثر عنف حركتها، اخذت تلهث وهي تحدق امامها، شريط حياتها يُعرض امام عينيها كعرض سينمائي بغيض؛ بدايةً من تشاجر والديها المستمر..

فينتهي من هنا وتدلف والدتها لغرفتها وتشتكي لإحدى صديقاتها بينما والدها يغادر، فيتركونها دون طعام حتى، كأنها غير موجودة، وحين تلاحظ والدتها وجودها تبدأ في توبيخها دون سبب، لتلعن يوم ولادتها فقد تعكرت حياتها منذ مجيء طفلتها المشؤومة.
كانت الأمور تزداد سوءاً مع مرور كل عام، حين بلغت التاسعة من عمرها كانت قد انتقلت عائلة يونس للشقة المقابلة لهم.

في نفس العام، قررت والدتها المغادرة مع رفع قضية خُلع على والدها، بدأ والدها في تعنيفها، يُخرِج غضبه عليها، ينتقم من والدتها بها وكأنها تكترث لها مثلاً!، كان هو أيضاً يرى انها حمل ثقيل، انها سبب تعاستهما!

كانت حياتها مُظلمة، لا تستحقها طفلة ولا تحتملها، كم القسوة التي حاوطتها شوهتها، شوهت روحها، لم تعد كالبقية، تارة ضعيفة وتارة اخرى قوية عدوانية قاسية!، انها ليست شخص واحد، بداخلها اثنان لكل منهم رأي ولكل منهم طبع، فالأول يريد الانتقام من العالم ومن والديها، يريد التمرد على الجميع، والثاني يريد ان يعيش حياة سعيدة دافئة مُسالمة ولو كانت غير حقيقية، حياة مؤقتة تُريح هذا الشخص.

تبعثرت رؤيتها لحياتها مع طرقات مُتتالية على الباب، بعد لحظة دوى صوت يونس مُطالباً اياها برجاء
- اروى، اروى افتحي، اروى خلينا نتكلم
ظلت مُحدقة بـ الباب دون ان تتحرك، تقضم أظافرها دون وعي..

تقدمت خطوة وتراجعتها بتردد، إذ واجهته الان قد تخسره، غضبها قد يجعله ينفر منها، في نفس الوقت، إذ لم تواجهه لن تهدأ، إذ لم تُعاتبه قد تنفجر، قد يحدث لها شيء من كثرة الأفكار التي تدور داخل رأسها بعشوائية، مواقفه، حياتها التي لا تفهمها، حبها وتمسكها به، كل شيء، انه لأمر مُرهق، بل قاتل.

تقدمت بعزم وفتحت الباب بقوة، تطلعت اليه بعينين مُنتفختين، كذلك هو، وقد تألم لرؤية ذلك، اتاحت له الطريق فدلف وهو ينقل نظراته حول الفوضى التي احدثتها بالمكان، لم يُعلق.
توقفت امامه، مُنتظرة، ضم كفيه بتوتر، يدور حول نفسه محاولاً استجماع كلماته الاولى الذي سينطق بها، كيف سيبرر فعلته؟ فلا عُذر لحماقته.
- عارف، مكنش ينفع اني اقولها عن حياتك، اني أشاركها حاجة زي دي..
كانت بدايته ضعيفة، استنكرت بخشونة.

- عارف!، مدام عارف ليها قولت لها؟ وانت عارف اننا ينكره بعض!
قاطعها بإستياء ودون تفكير
- وثقت بيها..
صرخت بجنون ثم خمدت نبرتها تدريجياً وهي تهدر بقهر
- وانا وثقت بيك، طول عمري كنت واثقة بيك ومتمسكة بيك، كنت بقول انك الوحيد اللي مش هتأذيني رغم كل تصرفاتك، انك هتحميني من الناس، اني مش هحتاج غيرك في الدنيا دي واني عايزاك انت وبس وانا مُكتفية، بس...

مسحت دموعها التي خانتها بعنف، اندفعت تنغزه بأصبعها على كتفه وهي تصرخ بغضب غلفه التوبيخ، توبخ نفسها وتجلدها
- بس طلعت زيهم، كنت بتأذيني دايماً، بس لهوسي بيك مكنتش شايفة دة، كنت عايز تبعدني وانا مُهزأة مش عايزة ابعد، انا استاهل، حقك تقول اني عال عليك، حقك تقول انك بتشفق على واحدة مريضة زيي، حقك تقول اني حمل تقيل زي ما الكل قال عليا، اهلي، واهلنا، وانت
امسك برسغها مُدافعاً عن نفسه.

- مقولتلهاش كدة، مستحيل اقولها انك عبء عليا، عمري ما فكرت بالطريقة دي ولا هفكر
نظرت في منتصف حدقتيه هاتفة برفض
- كداب
عاتبها..
- هتصدقيها وتكدبيني!
- زي ما كنت بتوقف معاها وتسبني
إجاباتها جاهزة، ترك رسغها ووضع كفيه على كتفيها مائلاً برأسه عليها.
- والله العظيم اني مقولتلهاش كدة، وحتى اني واجهتها، واتخانقت معاها لانها بتقول كلام مطلعش مني ولا هيطلع، صدقيني، انا بقول الحقيقة.

طلب منها بعجز ورجاء، فتبادلا النظرات، حدقتيه صادقة تدفعها لتصديقه لكن..
- انت اديتها السكينة اللي دبحتني بيها
قالتها بنبرة خافتة مُعذبة، فلو كان صادق من ناحية، فهو مذنب من الناحية الاخرى.
انتقل ألمها إليه، اخفض رأسه وقد لمعت حدقتيه بالدموع، مسحها سريعاً وعاد لينظر لها مُتسائلاً بصدق
- اعمل اية عشان تسامحيني؟ هعمل اي حاجة
ابتسمت بسخرية لاذعة وخي تُعلق.

- دلوقتي هتعمل اي حاجة عشان أسامحك؟، اما في الاول كنت بتعمل كل حاجة عشان تبعدني؟
اخفض يديه لجانبه وابتعد خطوة دون ان يرد، فماذا سيوضح لها الان؟، مررت اناملها بين خصلات شعرها بحدة قبل ان تتنهد بثقل، قالت ببطء
- اعمل كل اللي تقدر عليه، بس مش هسامحك
اخفض كتفيه بإحباط، لكنه يستحق، يعترف بذلك، فكر، يجب ألا يتمسك بها الان، ليس له الحق في ذلك، فكل شيء خارج عن إرادته منذ البداية.

تخطاها تاركاً اياها خلفه، فتح باب الشقة وتوقف..
- انا طردت شهد
لا يعلم لماذا اخبرها بذلك، لكنه فعل.
ظلت حدقتيها مُعلقة بالباب الذي اغلقه للتو بعد مغادرته؛ رمشت عدة مرات غير مصدقة، شعرت بسعادة تُبدد غضبها ببطء، وابتسامة شقت شفتيها بنعومة.
في الناحية الاخرى..

اغلق باب شقته واتجه للطاولة، ارتكز عليها بكفيه وهو يتنفس بعصبية، هو من بدأ كل شيء، هو من آل الأمور لهذا التعقيد، ألم يكن سفره وابتعاده افضل؟ لماذا اتبع قلبه واتخذ قرار بقاءه قبل تسع سنوات؟ فلم تكن النهاية مُرضية بكلتا الحالتين.
ثارت المشاعر بداخله وزاد عتابه لنفسه، فأزاح المزهرية التي تتوسط الطاولة ليتهشم زجاجها على الارض بعنف، لحق فعلته رنين هاتفه وكانت والدته، فأجاب بقوة
- نعم!

اتى قول والدته المليء باللهفة
- طمني، وصلت لـ اروى؟ عرفت لية رجعت بيتها!
- مفيش سبب، وسيبيها براحتها يا ماما
صوته المُتضايق اثار شكوكها..
- مال صوتك؟ حصل حاجة؟
- لا
- متأكد؟
تنهد وقال بهدوء
- متقلقيش، هقفل دلوقتي عشان لسة داخل البيت

في منزل شهد
كانت شهد تبكي بحرقة في غرفتها، بينما والدتها في الخارج تطرق على بابها المُغلق..

- افتحي يا شهد وقوليلي حصل اية؟ لية بتعيطي كدة؟، يا شهد افتحي يا بنتي ومتقلقنيش
ردت شهد بصوتها الباكي
- بعدين يا ماما بعدين
اعترضت والدتها وقد آلمها قلبها
- مش هقدر اسيبيك كدة، افتحي عشان افهم مالك واكيد هنلاقي حل، افتحي يا بنتي
مسحت شهد دموعها ونهضت لتفتح لوالدتها ثم عادت لتجلس على فراشها ولحقت بها والدتها وهي تحثها بقلق
- قولي حصل اية واية اللي يخليكِ تعيطي كدة؟
اجابتها بين شهقاتها..

- انا اتطردت من الشغل
- لية؟ حصل اية عشان تطردتي؟
سردت شهد لها ما حدث، الحقيقة كاملة وهي تبكي؛ ظهر الحزن والعتاب في نظرات والدتها لها، فسبقتها شهد قبل ان تقول والدتها ما تعرفه جيداً
- قبل ما تقوليلي، انا عارفة اني غلطانة، اللي عملته غلط بس..
هتفت والدتها بإنفعال مُقاطعة اياها.

- مفيش بس يا شهد، مهما كانت عداوتكم مكنش ينفع تعملي حاجة زي دي، مينفعش تغدري بـ يونس وتطلعي اللي قالهولك، ومينفعش تعايري وتشمتي في اروى، انتِ عارفة شعورها اية دلوقتي؟ بتفتحي جروح غيرك لية يا شهد؟ من امتى بتستسلمي لغضبك وتمشي وراه؟
زاد نحيب شهد، قالت بضعف وتشتت.

- انا معرفش عملت كدة ازاي، معرفش اية اللي حصلي الفترة اللي فاتت، الحقد والغضب كان مالي قلبي، كنت عايزة احرق دمها زي ما كانت بتعمل معايا، هي مكانتش بتهتم بمشاعر الغير فلية كنت اراعي مشاعرها؟، تفكيري كان كدة، كنت حاسة بالظلم لاني مش عارفة اخد حقي منها رغم اني اقدر
امسكت والدتها بكفها بحنان وقالت بهدوء.

- قولتلك يا شهد، قولتلك تتصرفي معاها ازاي وتوقفيها عند حدها ازاي، بالذوق مش بالطرق الخبيثة دي، وقولتلك لو هي وحشة كنتِ خليكِ احسن منها، كنتِ حافظتي على معدنك ومتخليش الغضب يغيره
هتفت شهد مؤكدة
- انا متغيرتش، والدليل على كدة ان ضميري مأنبني دلوقتي، انا مش وحشة للدرجة دي يا ماما
- عارفة، انا عرفاكِ، بس غيري مش عارفِك...
تساءلت شهد بضياع.

- طب اعمل اية دلوقتي؟ انا مش عايزة اخسر يونس، مش عايزة اخسر الشغل
- دة خير ليكِ، وبينلّك ان المكان دة مش مناسب ليكِ ولا الناس اللي فيه زيك، فمدّخليش نفسك بينهم، وباين ان مفيش امل ليكِ مع يونس فخرجيه من تفكيرك، انتِ لسة على البر
صمتت لوهلة ثم اضافت
- بس لازم قبل ما تقفلي الصفحة دي تعتذري من اروى، حتى لو مقبلتش اعتذارِك بس اهو تكوني عملتِ اللي عليكِ وريحتي ضميرك.

توافق والدتها على كل كلمة قالتها، وفكرت، منذ دخولها للشركة حياتها تعكرت، لكن الخطأ عليها، تُحّمِل نفسها الخطأ لانها من ادخلتهم لحياتها وبإرادتها.

انتفضت اروى مُفرقة جفنيها بفزع اثر ضربات عنيفة على ظهرها، قابلتها رؤية والدتها التي تُشرف عليها وبيدها سكين، اهتزت حدقتيها بخوف، اخرجت حروفها بتقطع
- مـ، ـامـا! بتعملـ..

تغيرت ملامحها وأصبحت خديجة التي امامها، فأختفت بقية حروفها وأسرعت لتهرب، فجأة وجدت نفسها في طريق مُظلم بين الغابات، اخذت تلهث وهي تلتفت حولها برعب، جذب انتباهها وميض سيارة من خلفها، أسرعت اليها لكن سرعان ما توقفت حين وجدتها تقترب منها بسرعة جنونية لتصطدم بها لكنها شفافة، عبرت من خلالها ببساطة!، استدارت لتنظر للسيارة التي انقلبت، جثت على رُكبتيها لترى من بداخلها، كانا إسماعيل و خديجة، والآن يُنازعون الموت.

شهقت وهي تفتح عينيها الى مصرعيها، انه كابوس اخر.

اليوم التالي..
- وحشتِك بالسرعة دي؟
مازحها نادر حين ظهرت امامه، لكنها لم تستقبل مُزحته، جلست على الكرسي مُتنهدة بثقل، هز رأسه بخفة وتقدم بكرسيه لأمام كُرسيها..
- سامعِك!
- عايزة ابعد عن يونس..
دُهش من قولها، لكنه شجعها برضا
- حلو، خطوة حلوة
- عايزاك تساعدني
ابتسم وطلب بنبرته الهادئة.

- طب ممكن تقوليلي حصل اية معاكِ؟ اية اللي خلاكِ تفكري تاخدي الخطوة دي بجدية؟
التقطت انفاسها بقوة، ثم قصت عليه ما حدث، وشاركته إرهاقها النفسي وتشتته
- يونس كان الشخص الوحيد اللي حبني، اتقبلني، فأنا زي اللي ما صدق حد حبه فأتمسك بِه بأيديه وأسنانه، عمري ما فكرت ان ممكن اكون بكدة تقيلة عليه
- وهتقدري؟
اجابته دون تفكير حتى..

- مش هقدر، بس بحط تصرفاته واخر حاجة عملها قدامي، بحاول اثبت على قراري بإني أوّحشه قدام عيني
هز رأسه بتفهم، تقرح عليها
- سافري لبلد غريبة، اتعرفي على ناس جديدة وابني ليكِ حياة بعيدة عن يونس واهلك وكل اللي اذوكِ..
اضافت
- بعيدة عن ماضيا
- ماضيكِ جزء منك، عمرك ما هتنسيه، بس ممكن تركزي على حياتك اللي لسة معشتيهاش، خدي القلم من قلبك اللي محفور فيه ماضيكِ و اكتبيها بإيديكِ.

- لو خدت القلم عشان اكتب حياتي بإيدي هبقى عايزة اكتبها من الاول، زي ما بعمل دلوقتي، ان اخلي اهلي كويسين معايا، اني ارسمهم بالطريقة اللي كنت اتمناها، اني ابعد شهد عننا، اني اعيش حياتي بسعادة بس مع يونس برضه، حب حياتي.

ابتسم وهو يتأملها بتعاطف، أحلامها ستتحقق في الحقيقة لكن ليس جميعها، فالجزء الخاص بوالديها لن يتحقق، فلا يوجد فرصة لتصحيح الماضي، لكنها قد تشعر بالراحة لعدم وجودهما في نفس الحياة التي تعيشها، قد تستطيع ان تعيش بسلام!
- اية رأيك متاخديش قرارك دلوقتي!، حطيه في بالك بس متنفذهوش..
بادلته نظراته الغامضة، وأخبرته..
- هخسر قدام يونس، بس بعد ما اخد للي كنت منتظراه منه
انهت جلستها...

توقفت اروى عند محطة الحافلات، كانت تجول بنظراتها حولها، استقرت عند ذلك الوجه التي تعرفه جيداً، اسرعت لتعبر الشارع لتلحق به قبل ان يبتعد، أعاقت طريقه وهي تبتسم بشراسة قائلة بإزدراء
- احمد!، عامل اية!
حدق بها بذهول، ابتسم بتوتر وهو يتراجع خطوة للخلف
- اروى!، عاملة اية؟
انه الشخص التي استعانت به قبل عام لإغاظة يونس، لكنه تخلى عنها بعد اول شهر، لقد اختفى دون سبب.
- احسن منك.

قالتها وهي ترمقه بعدوانية، فأسرع ليوضح لها..
- متبصليش كدة عشان اللي حصل كان غصب عني..
قاطعته بتهكم خشن
- والله!، خدت الفلوس وهربت بعد شهر وبتقول لي انه غصب عنك!
- يونس هددني
ضحكت بهزء، سألته بحدة
- بتضحك على مين انت؟
اقسم قائلاً الحقيقة
- والله هددني، قال لي ابعد عنِك وإلا..
قاطعته بذهول..
- قالك اية؟

- قال لي اسيبِك وابعد عنِك وإلا هيعملي مشاكل ويخليني بدون شغل ويلبسني قضية مخدرات، وانا مش حمل كل دة ولا قده
حدقت به غير مصدقة ما قاله، ثم ضحكت بقوة، هل فعل هذا حقاً!، تركته عائدة ادراجها دون قول شيء، فقط تضحك بصدمة!

في شقة يونس.

ذهب للشركة وعاد سريعاً، فليس لديه الطاقة للعمل اليوم، مزاجه مُعكر وتفكيره مُشتت اما روحه مُعذبة، لذا اتصل بوالدته لتأتي وينهيا هذا الامر، سيواجهها ويواجه الجميع، وليحدث ما يحدث.
اتت والدته، اخبرها بِما حدث بالأمس، وكان ردها كما توقع
- كويس ان حصل كدة، عشان تتجرأ وتبعد عنك، عشان تبعد خالص
انفجر بها..

- انا مش عايزها تبعد، هو انا كنت مخليها جمبي لية؟ عشان متبعدش، عشان ابقى مطمن، عشان تبقى تحت عيني..
نظرت له خديجة بحزم قائلة
- احنا قفلنا الموضوع دة يا يونس
ضرب الطاولة بقوة صارخاً
- اتقفل بالنسبالكم بس، اما بالنسبالي لا..
احتدت نظراتها وقد ارتفعت نبرتها
- انت عارف انه مينفعش تحبها، مينفعش تبقى معاها
استفزته بقولها، ما الذي يمنعه؟ والدته وخوفه من والده؟ قرار والدتها؟، زاد غضبه..

- انا عملت حساب ليكم، اتحكمت في نفسي
قاطعته بإنفعال..
- ما انت كنت ماشي كويس، فـ اية اللي حصل؟
- ايوة كنت ماشي كويس عشان كنت مطمن انها هتفضل متمسكة بيا، كنت ببعدها بس كنت مطمن انها مش هتبعد مهما عملت
تنهدت خديجة بتعب، واجهته بالأضرار..

- انت لية عايز تعقد الأمور؟؛ انت عارف ان ابوك عمره ما يوافق على علاقتكم، ابوها هيقلب الدنيا على دماغنا، امها نبهتك من الاول انك تبعد عنها وإلا هتخرب الدنيا وتأذيها
عبس وجهه قائلاً برجاء
- طب عايزِك على الاقل تقفي معايا، تشجعيني على اللي هيرحني
اعترضت...
- اللي هيريحك هيخرب الدنيا، مش كفاية اروى وجنانها؟ هتبقى زيها؟

صمت، جلس منكس الرأس، ماذا يفعل؟ شعور القهر يملأه، لا يريد ان تتحكم به هذه العواقب، إلى متى سيلجم مشاعره التي تصرخ بإشتياق لها رغم قربها؟، ماذا سيفعل إذ كرهته؟ لم يحصل على فرصة للتعبير عن مشاعره حتى، هل يجب عليه الاستسلام فقط؟ كالجبان!

كان صوتهما مرتفعاً، وقد سمعت اروى حديثهما من الخارج، امام شقته، بالطبع اصابتها الصدمة، لا تعلم، هل دق قلبها بسعادة لمعرفة انه بالفعل يحبها؟ أم آلمها وأصيب بالخيبة بسبب باقي الحديث..
- اروى..
استدارت لتنظر لمن خلفها، كانت شهد.



استدارت اروى لتقابل شهد بنظرات ساهمة، حركت حدقتيها بتشتت حتى انها لم تتعرف على الاخيرة، ترى جسد امامها لكن من؟ لم تستجمع، فالصدمة كانت قوية.
حركت شهد كفها امام وجه اروى لتجذب انتباهها التي لاحظت انعدامه.
- اروى!
عقدت اروى حاجبيها بإستغراب وهي ترى شهد امامها!، ماذا تفعل هنا؟، اخبرتها الاخيرة
- عايزة اتكلم معاكِ..
تساءلت اروى بحيرة
- عرفتي عنواني منين؟
- سألت سلوى و..

فهمت، تجهم وجهها وهي تُقاطعها بجفاء..
- عايزة اية؟
ضمت قبضتها بجوارها، طلبت منها
- ممكن نقعد في مكان نتلكم؟
أبعدت بصرها عنها ببرود، اشارت لها بسبابتها لتلحق بها اثناء تحركها لشقتها..
وضعت مفاتيحها بإهمال على الطاولة وهي تهتف
- اقفلي الباب وراكِ
اغلقت شهد الباب وظلت واقفة جانباً مُنتظرة عودة اروى.

بينما في المطبخ، احضرت اروى كوب زجاجي لتسكب به ماء، توقفت للحظة تفكر بملامح غامضة، ثم تحركت لتأخذ عبوة الكلور وتمزجه مع الماء.
خرجت من المطبخ ووضعت الكوب على الطاولة، دعتها بنبرة فارغة
- ما تقعدي
جلست شهد وظلت صامتة لثوان، تُرتب كلماتها
- جيت عشان اعتذر منِك، اسفة لاني...
بترت بقية حروفها حين رأت السخرية على ملامح اروى، ضحكت الاخيرة بخفة ثم تحدث ببساطة.

- مش لازم تتأسفي، لاني مش هسامحك، بلس ان يونس طردتك فأنتِ خلاص مش في تفكيري
ارتفعا حاجبي شهد بذهول من اسلوبها، وشعرت بالضيق حين اضافت اروى بعنجهية
- تعرفي اني راضية ان يونس قالك عن حكايتي؟، فبالطريقة دي بعدِك عنه، وخلصت منك
ثم اشارت لها للكوب تحثها على الشرب..
- بلي ريقك شوية
ظلت شهد مُحدقة بها وهي تشعر بالندم لمجيئها، لماذا استمعت لقول والدتها؟، لماذا شعرت بالذنب ناحية اروى؟ انها لا تستحق.

نهضت بعنف والتقطت كوب الماء لتحتسي منه لكنها توقفت قبل ان يُلامس شفتيها، التقط انفها رائحة الكلور، واجهتها بنظرات غير مستوعبة وهي تسألها بريبة
- انتِ حاطة في المية دي اية؟
ابتسمت اروى بشر مُجيبة
- كلور
جحظت عيني شهد من تأكيدها لفعل شرير كهذا، هل تريد قتلها؟، دفعت الكوب بعيداً فتهشم، هتفت بنفور
- انتِ مجنونة
تعالت ضحكات اروى وردت بإستمتاع
- ما انا عارفة.

هدأت ضحكاتها واظلمت حدقتيها وهي تهدر ببغض وحروف قاسية
- انتِ حاولتي تاخدي يونس مني وتاخدي مكاني عند اهله، وانا عمري ما كنت هسمح بـ دة، لا انتِ ولا غيرك هياخد مكاني، لاني هاكلكم بأسناني
ارتفعت نبرتها مع كلماتها الاخيرة، اهتزت حدقتي شهد وهي ترى اروى بهده الحالة المُخيفة، تراجعت للخلف ثم اسرعت للباب لتغادر، لماذا تواجه مريضة مثلها!
- مريضة..

مع فتح شهد للباب كانت قد وصلت اروى لها وجذبتها من شعرها فصرخت الاخرى بفزع.
- لسة مودعتكيش!
همست بها اروى بأنفاسها الحارقة وحروفها الشرسة بجانب أُذن شهد وسحبتها بقوة للخلف، فتعثرت الاخيرة وسقطت على الارض.
بعد لحظات فُتِح باب شقة يونس ليظهر الاخير ونظراته مصوبة لباب اروى المفتوح، سماعه لصراخ خيل له حدوث شيء سيء للأخيرة لكن ما رأى كان اسوء، ما الذي احضر شهد هنا وماذا تفعل بها اروى؟

اسرعت خديجة من خلفه لتنقذ شهد من ايدي اروى التي تكاد تنزع شعرها في قبضتها.
- ابعدي يا اروى ابعدي
صرخت بها خديجة وهي تحاول سحب شهد من اسفل اروى، استيقظ يونس من صدمته وهرع لداخل الشقة، امسك بـ اروى وحملها من اسفل ذراعيها لكن شعر الاخرى مازال في يدها، فمال على اذنها يهمس بها
- اروى، اهدي، اروى لوسمحتِ
حركت رأسها للخلف لتنظر له، فقابلت فُسدقيته اللامعة، همس مرة اخرى برجاء
- لوسمحتِ.

تركت شعرها هذه المرة، سحبها له فأستقامت على قدميها وهي تلهث، أدارها له وهو يحيط خصرها بإحدى ذراعيه والأخرى خلف ظهرها، تقابلت نظراتهما، لقد خمدت نيرانها امامه، استنشقت الهواء بقوة وهي تقطع اتصال حدقتيهما، بينما ظل هو ينظر لها.
ساعدت خديجة شهد على النهوض، كانت الاخيرة تنتحب، نظرت لها خديجة بتعاطف وسألتها بإهتمام
- انتِ كويسة؟
- انا عايزة امشي.

قالتها شهد من بين شهقاتها بجانب دفعها الخفيف لـ يد خديجة، رمقت الاخيرة اروى بعتاب مُتسائلة
- حصل اية يا اروى؟ عملتي كدة لية؟
- انا عايزة امشي
اصرت شهد على المغادرة، لا تريد البقاء اكثر، توقفت عند عتبة الباب وقالت لـ اروى بإنفعال دون ان تتوقف دموعها
- روحي اتعالجي لانك مريضة فعلاً
نظرت لها اروى وقوّست فمها بإنتصار؛ بينما غادرت الاخرى.

اتت خديجة ان تقول شيء لـ اروى لكن يونس اوقفها بنظراته، اخفض بصره اليها وسألها بنبرة لينة
- ممكن تقوليلي حصل اية؟ عملتي كدة لية؟
دفعت يديه عنها وتراجعت للخلف، دُهش من فعلتها، هل تُبعده؟، لم يُعلق وانتظر رداً منها، لكنها اتت بطلبها
- ممكن تتفضلوا؟، عايزة ابقى لوحدي
اقتربت منها خديجة وأمسكت بذراعيها بخفة كنبرتها
- قوليلي بس..
قاطعتها اروى بإصرار ونبرة مُقتضبة
- عايزة ابقى لوحدي، لوسمحتُم.

اتت خديجة ان تعترض لكن يونس اوقفها، اقترب من والدته وامسك بذراعها ليسحبها معه للخارج
- يلا يا ماما.

خضعت له وغادرت معه، اغلقت اروى الباب بعد مُغادرتهم، جلست على الأريكة وهي تضرب رأسها بكفيها، لا تعلم ماذا يحدث لها؟ مخيلتها تنجرف لنفس الواقع، عالمها ينهار، عالمها الخاص والتي صنعته ستصبح نهايته كواقعها؟ هذا ليس ما تتمناه، ما تمنته وجود عائلة لها ويونس بجانبها، لكن الان يتكرر الواقع، العالم يرفضها مع يونس، حتى مُخيلتها!
في الناحية الاخرى..

دلفت خديجة للشقة وخلفها يونس الذي توقف قبل ان يُغلق الباب، اخبر والدته بأنه سيذهب ليلحق بـ شهد قبل ان تبتعد، انه يشعر بالذنب ناحيتها، يجب ان يصلح ما بدأه.
كان يركض اتجاه المحطة ليلحق بها لكنه توقف في منتصف الطريق حين لمحها واقفة جانباً، كانت تبكي بمفردها هناك، اتجه لها وتوقف امامها وهو يلهث، تمتم بأسمها
- شهد.

رفعت رأسها لتنظر له، اخفضتها سريعاً وهي تمسح دموعها بحرج، كادت ان تتخطاه لكنه اوقفها بإعتذاره..
- انا اسف
توقفت خلفه ولم تلتفت، استدار يونس لينظر لها وهي تلويه ظهرها، قال بنبرة آسفة، صادقة
- انا بـ دين ليكِ بإعتذار، ممكن طريقتي شتتك بقصد او بدون، بعتذرلك لو فهمتي تصرفاتي غلط وخليتك تحبيـ..
استدارت بإستنكار هي ترمقه بعدم تصديق..
- يعني كنت عارف اني بدأت احبك!
استقرت نظرات يونس عليها..

- كان ممكن احبك لولا ان قلبي مع واحدة تانية
هل يحاول مواساتها ام جرحها اكثر!، هتفت بألم وهي ترمقه بخيبة
- يعني كنت بتستغلني! عشان تضايقها؟
انكر ذلك سريعاً..
- لا، معملتش كدة عشان اضايقها، كنت بحاول ابعدها، بعترف اني فكرت استغلك في الاول، بس اتراجعت، من اول اسبوع اتراجعت و..
فكرت شهد، يحاول إبعاد اروى وهو يعلم جيداً انها لن تفعل، إذاً كان يستغلها!

- كان ممكن تقولي من الاول كنت هساعدك، كانت الأمور موصلتش للنقطة دي، مكنش هيبقى في عداوة ما بيني وبينها، مكنتش فهمت تصرفاتك غلط
لم تكن علاقتهما ستصبح جيدة بكلتا الحالتين، لم تكن ستصادقها اروى، يعلم ذلك جيداً.
- كنت بعاملك كصديقة، مكنش قصدي، انا اسـ..
قاطعته وهي تهز رأسها بأسى.

- الغلط مش عليك، الغلط عليا اني حبيتك! حبيت وجودك جمبي ولو حتى اصحاب، مكنتش هبقى عايزة حاجة اكتر من كدة، بس هي شايفاني اني كدة باخدك منها!
- اروى..
منعته من توضيح شيء، او شرح حالة اروى، فهي شبه عرفتها وفي الحقيقة لا تريد ان تتعمق بينهما، ستدفن محبتها له بداخلها وتغادر، تعيش حياتها بسلام بعيداً عن حياتهما المعقدة.

تابعها وهي تبتعد بحزن، لقد جمعهما القدر بشكل سيء، تمنى ان لقائهما قد حدث في بيئة افضل، بعيدة عن كل هذا التعقيد، فلا ذنب لها ولا ذنب لـ اروى، فلكل منهما عُذر، لكنه مُتاكد إذ التقيا في حياة اخرى لكانا سيصبحان اشقاء واكثر.

في شقة يونس..

القى بجسده على الفراش، خرجت منه تنهيدة عميقة تُظهر مدى ثقل ما بداخله، ماذا يفعل وماذا فعل سابقاً؟، قرارته خاطئة ادرك ذلك الان، الابتعاد لم يكن الحل الأمثل حينها، كان يجب عليه الإنصات لقلبه، أخذها والهرب بعيداً وعيش حياتهما بسلام، لماذا اختار ان يصبح جبان؟.

لكنه لم يختر ذلك، فقد كان ضعيفاً حينها، كيف يواجههم!، لذا اكتفى بحمايتها قدر المستطاع لكنه في النهاية فشل!، فشل ذريع يؤلم قلبه على حالها، فلم تنمو سوية النفس، هو أيضاً مثلها، رغم تلقيه الحب عنها إلا رؤيته لتعذيبها قتل شيء بداخله.

يحبها!، بل يعشقها مثلما تفعل واكثر لكنها لا تعلم، وكيف يخبرها الان؟، يعلم انها ستتقبله بصدر رحب، او ربما تريد ذلك لكنها ستحارب نفسها وتبتعد، يتمنى الا يحدث توقعه الاخير فإذ حدث ماذا سيفعل؟، هل ستذهب تضحيته هباءً! يجب ان تتفهم موقفه.
طبق جفونه بتعب شديد، لقد أُرهِق.

عصر اليوم التالي.

انهت اروى جلستها مع نادر، لقد اخبرته بقرارها التي عزمت على تنفيذه؛ ثم ذهبت لـ عائلة يونس، استقبلتها خديجة مرحبة بها، فور جلوسهما سألتها الاخيرة بحنان وهي تُربت على كف اروى
- بقيتي كويسة عن امبارح؟
منحتها اروى إماءة سريعة، ثم سألتها بإقتضاب
- عمو اسماعيل فين؟
اجابتها خديجة بسلاسة
- في الحمام بياخد دوش عشان مخدهوش الصبح
اردفت بخفوت حائر..
- في حاجة؟!
- اة، جاية اديكم خبر عن قراري الجديد.

خرج اسماعيل من المرحاض، توقف عن تجفيف شعره بالمنشفة حين رأى اروى، ابتسم وهو يقترب منها
- اروى حبيبتي، عاملة اية؟
منحته نفس الابتسامة وهي تتمتم
- الحمدالله
اضافت وهي تنقل نظراتها بينه وبين خديجة
- جاية النهاردة اقولكم عن قراري اللي خدته
عقد اسماعيل حاجبيه بإستغراب
- قرار اية؟
- انا هستقيل من الشركة
تساءل اسماعيل مُستفسراً
- لية؟ حصل حاجة؟
فجّرت قرارها الثاني...
- هسافر.

ذُهِل اثنيهما، تساءلت خديجة بريبة
- تسافري! لية وفين؟
اعترض اسماعيل بحزن
- هتسافري وتسيبينا؟
نظرت لهما بتأثر، لماذا يجب ان يصبحا سيئين هنا أيضاً؟، ليس مقدر لها ان تنعم بعائلة تحبها!؛ ابتمست لهما ونهضت لتذهب وتعانق إسماعيل، فنهضت خديجة لتعانقهما أيضاً، همست اروى ببكاء
- كنت مبسوطة لان كان عندي عيلة بتحبني زيكم، بس للاسف انتم في خيالي وبس.

تشعر بأنه يجب عليها إنهاء الأمور قبل عودتها، الانتقام منهم هنا أيضاً..

مساءً
طرقات مُتتالية قوية على باب شقة اروى، لقد علم يونس انها سترحل، ستذهب بعيداً عنه، يكاد ان يفقد صوابه، هل ستذهب وتتركه؟، بهذه البساطة؟، توقف وتراجع خطوة للخلف وهو يلهث اثناء سماعه لصوتها
- جاية..
لمجرد فتحها للباب حتى دفعه ودلف للداخل، ذُهِلت من تصرفه ورمقته بحيرة
- في اية؟
اغلقت الباب بينما هم ليُقابل سؤال بآخر..

- صح اللي سمعته؟
حدقت به لوهلة، ترى الغضب والخوف في عينيه، تنهدت، لم تسأله فهي تعلم عن ماذا يتحدث، أكدت له
- ايوة
- لية؟
عقدت حاجبيها بإستنكار مُتسائلة بهزء!
- جي عشان تعرف السبب؟ بجد؟
تقدم خطوة وهو يهتف سريعاً
- هخليكِ السكرتيرة بتاعتي
اتسعت مقلتيها قليلاً، لن تُنكر ذهولها، هل سيتمسك بها؟، سألته بعتاب
- جي دلوقتي تعرض عليا اني ابقى سكرتيرتك؟ بعد اية؟
امسك بكتفيها بلهفة، فرق شفتيه..
- انا..

لكن حروفه خذلته، فلم يستطع ان يوضح لها، هل سيخبرها الان انه يحبها؟ وإذ فعل كيف سيوضح أسباب رفضه لها وجحوده؟ لا يريد جرحها اكثر بمعرفة رفض الجميع لحبهما.
اخفض رأسه كما استرجع كفيه بجواره، بينما عينيه مازالت مُتصلة مع خاصتها، نظرات ضائعة مُشتتة حزينة!، كيف يوقفها؟
- عارفة انك بتحبني..
اخرجت حروفها الصادمة ببطء، وقد ظهرت الصدمة جلياً على ملامحه، اهتزت حدقتيه بتوتر، كاد ان يقول شيء لكنها سبقته.

- سمعتك امبارح، انت وطنط خديجة
تلعثم وهو يكرر كلماتها..
- سمعتـ..
لكنها قاطعته بخيبة
- طلعت جبان
عبس وجهه مُعاتباً اياها بنظراته ونبرته الخافتة
- خوفي عليكِ خلاني جبان!
- خوفك!
ضحكت بتهكم تحول لنبرة منفعلة
- انا مشوفتش غير رفضك ليا..
هتف بعجز
- عشان كنت مُضطر، كان لازم ابعِدك
- ونجحت؟
مرر كفه بين خصلات شعره بإنفعال وهو يتحرك حول نفسه..
- لا، عشان مكنتش عايز انجح
- كان عاجبك اني بجري وراك!

توقف مُقابلاً لها وهو يصرخ اثر شعوره بالتقيد، لماذا تذهب لأسوء الظنون لتُلقيها به!
- كان عاجبني انِك جمبي، انِك مش هتبعدي مهما عملت عشان كدة كنت مكمل
صرخت مثله لكن بغضب
- كلامك مش منطقي بالنسبالي
أُخمِدت نيران حدقتيه الثائرة لتصبح حزينة، هدر بعذاب
- مكنش ينفع اقرب منك، كانت هتأذيكِ اكتر
- مين؟
تأمل ملامحها، فليكشف كل شيء وإلا سيخسرها، وليس هذا فقط بل ستذهب وهي تعتقد انه جبان.

التقط انفاسه اثناء تراجعه، جلس على الذراع الخشبي للأريكة، سرد ما حدث، تهديد والدتها له.

- لما اعترفتيلي بحبك لأول مرة من خمس سنين، قبلها جت ليا وسألتني انت بتحب اروى؟ بصيتلها وانا مش عارف اقولها اية؟ أقولها حقيقة مشاعري اتجاه بنتها ولا هيبقى عيب!، لقيتها بتقولي متحبهاش وابعد عن بنتي احسنلك وإلا هاخدها معايا غصب عنها، هاخدها بعد ما سبتها وبعد ما كرهتني، هحبسها في الاوضة واخليها عايشة من غير روح، فأختار يا إما تبعدها عنك وإلا هاخدها اعذبها
اضاف بحيرة.

- مش فاهم للان سبب تهديدها وسبب انها تبعدني عنك، بس كنت عارف انها هتعمل اللي بتقول عليه، هي مستعدة تأذيكِ وتدمرك نفسياً
سخرت دون مرح، تشوب نبرتها الحزن
- تدمرني اكتر من كدة!
تلاحقت انفاسها وهي تقترب منه هامسة بقهر
- ازاي تسمع كلامها؟ بأي حق هي تقولك تبعد؟ ازاي..
برمت بقية حروفها وهي تتذكر ثقة والدتها الدائمة بقولها ان يونس لن يحبها ابداً، كم هي خبيثة، انها سبب ذلك، لكنها ليست الوحيدة.

التقط كفيها ليعانقهما بكفيه، هدر بصوته العميق والمُعذب
- اني استحمل حبي ليكِ كان اهون من اني أسلمك ليها، انك تبعدي عني، على الاقل قدام عيني
هز رأسه مُضيفاً اثناء نهوضه فأصبح يشرف عليها بطوله الذي تخطاها قليلاً
- ارتبطت بكتير بس ملقتكيش في اي واحدة، بس استكفيت بقربك، كنت بتعذب وانا ببعدك عني كل ما تقربي، عارفة شعوري كان اية؟

أسر حدقتيها بخاصته التي تلمع بالدموع من جيش مشاعره المكبوتة بداخله، وأخيراً يستطع ان يفصح عنها.
- مكنتش بعرف انام إلا وصورتك في حضني، محتفظ بكل حاجة تخصك هنا، في قلبي
وضع كفها على صدره ناحية قلبه وكفه فوقه، ثم سحبها خلفه مُتجهاً للخارج ليذهب بها لشقته وهو يتمتم
- تعالي معايا..

ترك يدها عند باب غرفته بعد ان فتحه، فتح خزانته ثم أخرج المفتاح من جيبه ليفتح به الدُرج الاول، والذي يخفي بداخله كل ما يخصها!، اخرج الصندوق الخشبي وجلس به على الفراش، فتحُه لتظهر صورتها في البداية، وضعها جانباً ليخرج الباقي.
- فاكرة دي؟
اخذت البطاقة منه وقد علت الدهشة على ملامحها، امازال يحتفظ بالرسمة الفاشلة التي صنعتها له حين كانت في الثانوية؟، حين بدأت تُدرك مشاعرها ناحيته.
- طبعاً.

لمعت حدقتيها واهتزت بتأثر حين اخرج وردة قد ذبلت منذ زمن..
- اديتهاني بعد اول يوم جامعة ليكِ..
لقد منحتها له في احداث سريعة قد لا تذكرها حتى، هل يحتفظ بهذه التفاصيل حقاً!
ضحكت بعدم تصديق حين رأته يُخرِج صورتهما، حين كانت هي في العاشرة من عمرها وهو في الرابع عشر من عمره، كانت الصورة الاولى لهما والتي جمعتهما، لقد ضاعت منها بل لم تملكها منذ البداية لانها اختفت، إذاً كانت معه!

- دة انا افتكرت انها ضاعت واحنا بننقل
ابتسم بدفئ اثناء نهوضه قائلاً
- كانت أول حاجة خدتها في شنطتي
تقدم منها ليقف بالقرب منها، قابل نظراتها المُتأثرة والسعيدة بنظراته الحانية التي تفضح أمره، انه عاشق، يريدها ان ترى ذلك بوضوح.
- طول عمري بحتفظ بتفاصيلك جوة قلبي..
ابتسم بحنين وهو يتذكر..

- لما كنتِ بتقوليلي انك هتجبريني اني اتجوزك كنت ببقى مبسوط من جوايا، دي أمنية حياتي اصلاً، لما كنتِ قريبة مني، مش عارف ازاي كنت بتحكم بنفسي! مكنتش بستحمل زعلِك بس كنت مُجبر امثل قدامك انه ميهمنيش بس في الحقيقة..
اقترب اكثر منها هامساً بمشاعر جياشه
- انتِ تهميني بكل تفاصيلِك
رفع كفها الاخر ليقُبله ويحتفظ به اسفل ذقنه، طلب منها برجاء
- فمتسافريش وتبعدي، مستعد أواجه العالم عشانك، بس متبعديـ..

كم غمرتها السعادة لكل كلمة سمعتها منه، فكم انتظرت هذه اللحظة، كم انتظرت حبه!، لكن هل ستنعم بهذه السعادة؟ هل سيسمح لها العالم بذلك؟
- حتى اهلك؟ هتعرف تقنعهم بيا ازاي؟
اتت بسؤالها المُفاجئ له، بل الذي يخافه، صمت..
سحبت كفها وتراجعت خطوتين للخلف، رفعت رأسها وهي تُخيره
- هتختارني وتسافر معايا؟ ولا هتختار اهلك؟
نظر لها، كم انه خيار صعب..

رغم ان إجابته تعرفها لكنها تريد ان ترى انتصارها عليهم، تحقيق انتقامها، إبعاده عنهم.

في مشفى الأمراض العقلية..
سار نادر في رواق طويل، توقف امام إحدى الغُرف وبرم مقبض بابها، استقر بجانب فراشها وأخبرها بعد صمت قصير
- خديجة وإسماعيل، ماتو
ظل وجهها جامد، حدقتيها مُعلقة ببقعة مُعينة، يبدو انها مازالت في عالمها، لكن بعد دقيقة كاملة حركت حدقتيها لتستقر عليه، ارتفعت زاوية فمها ببطء..



 

تااابع ◄ 

المشاركة على واتساب متوفرة فقط في الهواتف