-->

حلمى فى صفيحة قمامة الجزء2



 توربينيات!

"- أزيى صحتك دلوقت يا مدام"إيمان"..أتمنى تكونى أحسن"سأل عمى"سمير"والد"نادين"والدتى على سبيل الأطمئنان

"أسأل الدكتور بتاعى"قالتها امى  ..و هى تشير نحوى مبتسمة بفخر و إمتنان لم اكن أستحق ربعهما.. تفاجئت،و غمغمت في حرج:

- الحقيقه أنا مقصر ..بس غصباً عني و الله!

ردت بتباسط :

- ليه بتقول كده يا حبيبي ؟.. أنت عمرك ما قصرت معى.

"لأ بجد يا "مجد"يا ابني.. أنت مالك خاسس،و متبهدل كده ؟!"كانت هذه من حماتى العزيزة..كم أمقت ملاحظاتها الدقيقة!

خاصة أمام امى التى سرعان ما التقطت طرف الخيط..

- شوفتى!.. فعلاً خاسس جامد..مش عارفه أيه اللي جراله!

- مالكوا يا جماعه اتلمتوا على الواد كلكم كده ليه؟!كان هذا عمى "سمير"الذي تدخل لإنقاذي في الوقت المناسب..قالها ثم أضاف محاولاً تهدئة قلقهما:

- ممكن يكون بدأ يعمل ريجيم.. ولا رياضه..و بعدين كده احسن على فكره..

و استطرد بعد لحظه:

- و بمناسبة الرياضه..عايز اوريك حاجه!

قالها و قام مسرعا قبل أن يتثنى لى سؤاله عما يقصد.. فسألت "نادين"مبتسماً:

- هو بابا أشترى دمبل حديد؟! 

ردت"نادين"ضاحكة:

- لأ..حاجه أجمل بكتير!

"- أيه رأيك؟"سأل عمى "سمير"الذى عاد فى تلك اللحظة ..و هو يضع مسدساً مهيب الشكل تحت أنفى!

- أيه ده يا عمى؟سألته متوجساً..فرد بضيق:

- أيه؟..مش باين؟..مسدس!

غمغمت محرجاً:

- مش قصدى!..أقصد حضرتك جبتوه ليه؟!

- أمسكه كده..أمسك.. أنت خايف منه و لا أيه؟!متخفش متأمن.

حملته بيدى و أحسست بثقله..بينما جلس عمى "سمير"بجوارى..قبل أن يضع يده على ركبتى ،و هو يقول بغموض:

- الدنيا مابقتش أمان يا"مجد" يابنى!..سمعت عن التوربينى؟

التوربينى!..و من لم يسمع عنه؟!إن أخبار محاكمته تملأ الجرائد،و كل وسائل الإعلام المرئية منها و المسموعة

أضاف بإنفعال و حماس:

- خلاص دلوقت كل واحد لازم يحمى بيته بنفسه..ولاد الكلب دول ملوا البلد!

*********************

"أنت رجعت البيت؟"سألت"نادين"فى تكاسل

- أيوه لسه واصل..كويس أن الأسنساير أتصلح!

- أمال  مال صوتك متغير كده ليه؟..لسه ضهرك بيوجعك؟

- ساعات.!

قلت فى أقتضاب و غموض،فلم أكن أريد أن أخبرها أننى قد بدأت أتعاطى مسكناً..لأن الألم صار لا يطاق..صحيح أن قد يختفى تماماً-دون مسكن- لفترة قد تصل ليوم كامل..لكن حين يعود يكون شديد الشراسة.

سألت بصوت ناعس:

- ماما صاحية؟

- لأ ..أول ما وصلنا نامت.

صمتت لحظة كأنما تفكر،ثم قالت:

- شكلك لسه زعلان ..معلش.. أنت عارف بابا.

ابتسمت فى مرارة،وقلت:

- المشكلة إنى عارف بابا!..مفتش فى وزارة تموين..لا هوا مسئول سيادي فى الدوله،و لا شغال فى بنك و لا جمرك،ولا حتى شغال فى شركة بترول..يعنى راجل موظف غلبان زينا..ليه بقى باصص على الناس من فوق أوى كده؟!محسسني أنه "أحمد عز"و لا " طلعت مصطفى"!

قالت "نادين"بلهجة مرحة شابها بعض اللوم:

- أحمد ربنا أنه موظف غلبان..لأنه لو كان زى اللى بتقول عليهم دول..مكنش هيوافق يجوّز بنته الوحيدة،لواحد بيقبض مايتين و وأربعين جنيه فى الشهر!

قلت بسرعة:

-الله يحفظ مقامكم العالى يا افندم!..و حضرتك بتقبضى كام على كده؟!..مش  هما المايتين و وأربعين جنيه برضو..و بعدين أيه حكاية بنته الوحيده دى؟..أمال"عمرو"أخوكى ده أيه؟! أتب طلع له فى ضهره؟!

أهتز صوتها بالضحك..و هى تقول:

- و الله شكله باين عليه أتب فعلاً!

- هو كان فين ؟مابنش طول القعدة!سألتها بدهشة،فردت :

-قصدك الخناقة!.. كان عند صحابه..يدوب أنتو مشيتوا من هنا..هوا جه من هنا...قال كان بيذاكر معاهم..هو كدا كدا مش هيعرف يدخل كليه محترمه..ده جايب السنه اللى فاتت 65%..ميدخلهوش حتى كلية  آداب.

صمتت لحظة..قبل أن تضيف:

- بابا أمله الوحيد دلوقت أنه يتقبل فى الكلية الحربية أو الشرطة.

- حربية أيه و  شرطة أيه اللى يتقبل فيها؟!الحاجات دى عايزة وسطه جامده.

قالت بسرعه:

- و الله عارفه يا"مجد"..بس بابا كان محوش حوالى خمسين ألف جنيه..و قال أنه مستعد يدفعهم كلهم..يعنى علشان حد يتوسط له،وكده.

كانت تقصد أن يدفع  رشوة لأحد المسئولين..ليتجاوز ويقبله..كأنه ليس من حقه دخول الكلية التى يريد!.

قلت بفتور:

- آه طبعاً!

ردت مبررة موقف أبيها:

- أنت عارف..مفيش حاجه بتمشى إلا بالطريقه دى ..أنت مش عايش فى البلد ولا أيه؟!

- البلد!و هى دى بلد؟!..المفارقة الكومدية أن  كلمة مصر معناها  البلد!..و مع ذلك حاسس أنها  مجرد سجن جدرانه ضيقة ..خانقة.

- عارفه يا"نادين"؟.. أنا لولا ماما ملهاش غيرى، كنت هاجرت فى أى داهيه!

-ياه !دانت باين عليك مضايق أوى..كل ده عشان بابا قال كلمتين على أطفال الشوارع؟!سألت"نادين"مستغربة..فقلت بسرعة:

- لا والله..أنتى عارفه أنى بحب عم"سمير"زى بابا الله يرحمه بالظبط..الموضوع حاجه تانيه خالص!

- فاكره اليوم اللى قلتلك فيه إنى خدت shiftزياده..فى اليوم ده أنا نسيت أمضى فى الدفترعلى الshiftالتانى..و أفتكرت تانى يوم.

سألت "نادين" بإهتمام:

- و بعدين؟..عملت أيه؟

- رحت ل"محسن"قلت له و بعد محايله وافق يطلعلي الدفتر..و قال لى أنه ممكن يتأذى هو و"نور"   لو حصل لعب فى الدفتر..بس عشان هوا واثق فيا طلعلي الدفتر..شكرته طبعاً..و لما جيت أمضى لاقيت فيه حد ماضي بدالي!

- تقصد ماضيلك؟!

قلت نافياً :

- لأ..لقيت أسم الدكتورة"مريهان أدهم"!

- "مريهان"ماضيه بدالك؟ليه؟!

قلت بثقة..مش ماضيه بداليي بس..ده فيه حد ماضي لها كمان!

سألت فى عجب:

- و عرفت منين أن حد تانى اللى ماضي؟!

- الخط ده خط راجل..الصوابع دى مش صوابع "مريهان".

ردت "نادين"بغيظ:

- مركّز انت مع صوابعها؟!

قلت بنفاد صبر:

- مش وقته يا"نادين"!..

قلت كذبااً-لأهدئها-:

-أنا أساساً معرفش أن معانا دكتوره فى المستشفى أسمها "مريهان"..أرتحتي؟!..كل اللى أقصده أنه مش خط واحده ست..

سألت بنرة أكثرهدوءاً:

- و ناوى تعمل أيه؟

- ناوي أخرب بيتها هى و اللى مضى لها طبعاً!

***********************

فى الصباح التالى ذهبت لمكتب دكتور"مصطفى حسنين"النائب الأداري لأخبره بشكوكى ..دون أن أخبره أن"محسن"أطلعني على دفتر الحضور و الإنصراف طبعاً - فهى مخالفة إدارية جسيمة-ستعرضه للجزاء..و قبل أن أصل لبداية الطرقة المؤدية لمكتبه ..خرجت طبيبة شابة من باب مكتبه..كانت د/"مريهان"التى تلفتت حولها تستطلع إن كان أحدهم قد رأها ..بعدها أخذت تسوى هندامها المهوش،وخصلات شعرها المبعثرة..ثم أخرجت المرآة من حقيبتها الأنيقة،و بدأت تضع طبقة أحمر شفاه جديدة..بدلاً من تلك التى لعقها سيادة النائب الأداري المحترم من على شفتيها! 

جمدتنى الصدمة فى مكانى لبضع ثوان كالمشلول..أنت يا د"مصطفى"!

كنت أتوقع شيئاً كهذا من "مريهان" فهى تبدو كفتاة لعوب..لكن من يتوقع أن يصدر هذا الفعل من ذلك الطبيب الخمسيني الوقور ذي الصلعة اللامعة!

أنتزعتنى  دقة كعبها العالى من شرودى..و هى تمشى بسرعة تقترب من الهروالة..و أحتلت أنفى رائحة عطرها الفغم قبل أن تصتدم بى بصورة بدت عفوية

- آه..أنا أسفه يا دكتور..خبطت فيك من غير ماقصد!

تعثرت الحروف فى حلقى فغمغمت بصوت غير مفهوم..قبل أن تضيف هى بابتسامة مرحة و براءة الأطفال فى عينيها:

- صباح الخير يا دكتور؟!..أنا قولت لك أنا أسفه..سمعتنى؟!

قلت فى فتور:

- صباح!

أرتفع حاجبها فى دهشة..ثم سألت بانزعاج و قد بدأت تشك أننى رأيتها  و هى تغادر مكتب الأخير:

- هو فيه حاجه؟!..قصدى أنت جاي عايز د/ "مصطفى"فى حاجه؟

حدجت في وجهها بنظرة ثابته زادتها ضيقاً ..و وضعت يداى فى جيوب الباطو  ،قبل أن أقول ببرود و تعالى :

- مش دلوقت ..خلاص مش مهم..هابقى أعدى عليه وقت تانى!

******************

داعبت رأس الصبى الممسك بقطعة شوكولاتة كبيرة..و هو جالساً على السرير الذى يتشاركه مع أحد المرضى.. سألته متظاهراً بالجزع:

-  أيه ده ؟..هوا فيه حد بيجيب لك شيكولاته غيرى و لا ايه ؟ 

رد"حلمى"مبتسماً بسعادة..حين رأني:

- دكتورة جميلة زيك!

- أنت عارف.. مفيش حد  بيقول لى أنى جميل غير أتنين..أنت و ماما!

تحول وجه الصبى فجأة وبدا موشكا على البكاء

- لأ..ليه زعلت كده فجأة؟..أنت بقيت كويس خالص و الله!

قال فى أسف:

- زعلان عشان تعبت أمى أوى الفتره اللي فاتت..و أنا و الله كان نفسي اريحها!

ضحكت متعجبا من قوله..و قلت مداعبا:

- دا أنت غلبان  قوي!..يا ابنى دا انا لسه تاعب ماما لغاية دلوقت!

ضحك من كلامى..فسألته متظاهراً بالضيق:

- و بعدين كل دى شيكولاتايه!..اديك العقلة إللى أنا أجيبها ازاي دلوقت ؟!

خطف قطعة الشيكولاتة من يدى فى لهفة المحروم..و قبل أن يفتحها..قلت له:

"- يلا يا بطل أقلع عشان أكشف عليك"قلتها ،ومددت يدى لأساعده على خلع ملابسه..رد يدى بكلتا يديه فى ممانعة

- أنت  مكسوف؟..طيب لو سمحت يا حاج دوّر وشك الناحيه التانيه على ماكشف على الراجل ده!

أدار الرجل العجوز وجهه ناحية الحائط..دون أن يتفوه بكلمة.

 تركنى"حلمى"أساعده على خلع رداءه..ثم تمدد على السرير محرجاً من عريه..سألته مداعباً أثناء الفحص:

- هتدينى حتة لما تفتح الشيكولاته؟

فقال بسرعة:

-لأ!

- لأ؟!..مكنتش أعرف أنك بخيل كده!..خلاص يا عم بالهنا و الشفا..بس أفطر الأول قبل ما تاكلها..نام على جنبك

نام الصبى على جنبه،و هو يقول:

-  أنا مش هفتحها أصلاً..علشان لما أروح البيت أقسمها مع العيال.

قلت أمازحه:

- ما شاء الله!..أغيب عليك يومين..أرجع ألاقيك خلفت!

قال و هو يضحك متعجباً من سذاجتى:

- خلفت أيه يا دكتور..أنا قصدى على العيال أخواتى.".بطه" و "شوشو" و" محروس" و" النونا".

هتفت فى ذكاء:

- النونا دى أصغر واحده فى أخواتك طبعاً!..و"نونا"دا أسمها الحقيقي؟..نام على بطنك بقى!

نام على بطنه،و هو يجيب:

-لأ .. أسمها"الحقيقي.كوكب".

قلت بدهشة،..بينما كنت أفحص شرجه:

- ياه..دى النونا بتاعتكوا دى..كبيره أوى !

-كبيرة أزاي؟..دى قد كده!

رد "حلمى"ضاحكاً فى عجب و هو يشير بيديه ممثلاً حجمها.

- خلاص أتعدل!

كنت فى تلك اللحظة قد أنهيت الفحص..و قد و جدت شكى فى محله للأسف!

جلس يرتدى ملابسه..بينما كنت أفكر فى حجم تلك المصيبة..فبرغم أننى توقعت شيئاً كهذا منذ البداية..لكن صدمة الإكتشاف

جعلت عقلى يشل.. لماذا لم يخبرنى د"نعمان"بالأمر؟هل يعقل ألا يكن قد لاحظ؟!

أنتزعنى من خواطرى صوت نسائي يصيح: 

"د/"مجد"عايزينك"!..كانت"قمر" الممرضة تهتف بلهفه كأنها عثرت على ناقتها التى ضاعت منها فى الصحراء

سألتها مندهشاً:

- مين اللى عايزنى بالظبط؟!

*****************************

"  الدكتور"مجد خالد سعيد"برجاء برجاء التوجه إلى مكتب الدكتور "مصطفى حسنين"للأهمية"

تردد النداء فى أروقة المستشفى..عبر مكبر صوت يشبه المستخدم فى الموقف فتقلصت احشائى فى رعب!

- ترى ماذا يريد؟!.. هل أخبرته الدكتورة"مريهان"بما حدث بيننا؟

..و شعرت فى قرارة نفسى بالندم!..لماذا تركتها تعلم أننى علمت؟!

فقد فقدت الرغبة فى البحث عن سبب ما حدث تلك الليلة..بسبب ما رأيته منذ قليل.

ثم عدت أطمئن نفسى أنه ربما استدعانى لسبب آخر..خاصة أنه لم يكد يمضى أكثر من ساعة ،على ذلك الموقف الذي ليس له داع..

فى هذ ه اللحظة كنت قد وصلت لمكتب د/"مصطفى..ترددت لحظة قبل أن أطرق الباب 

- أدخل.

-"صباح الخير يا دكتور" قلت فى وجل ..فتفحصنى بنظرة مزدرية قبل ان يقول بغضب مكبوت،و هو يجز على أسنانه:

-صباح..الخير!

بداية غير مبشرة!

نظفت حلقى بسعلة قصيرة..قبل أن يقول د/"مصطفى": 

- قالولى إنك عايزنى..خير؟

أهلاً!..يبدو أن "سالومى"الصغيرة تعرف أسمى!

ملكة المستشفى المتوجة التى يحلم الجميع بأن تلقى عليهم تحيه الصباح..قد ذكرتنى بالأسم عن سيدها..يال حظى الحسن!

حاولت الكلام فتحشرج صوتى بسعلة أخرى!

قلت محرجاً:

- آسف..

رد ببسمة هازئة:

- سلامتك..أيه مالك؟..عيان؟!

قلت بصوت متحشرج:

- لا أبداً..مرتبك شويه بس..فى الحقيقه جيت لحضرتك من شويه عشان موضوع..بس بعد كده فكرت أنه مش مهم..فمشيت!

- و أيه الموضوع على كده ؟!

تنحنحت و قلت فى حرج ناظراً لطرف حذائى:

- من يومين كنت سهران فى الطوارئ..و لما خلصت شغلى و قبل ما أروح..فوجئت بيهم بيبلغونى إن عندى shitتانى..و بعدين اكتشفت انه كان شغل حد تانى!

صمت لحظة كأنه يزن كل كلمة قلتها..قبل أن يضيف ببطء:

- و أنت مضايق علشان شيلت شغل زميلك اللى غاب يومها.

ضايقتنى كلمة"زميلى" ..و تذكرت أسم الدكتورة"مريهان" المكتوب بخط يده فى دفتر الحضور..فقلت باندفاع:

- ضايقني إنى أشتغل شغل مش بتاعي..و بعدين كانت زميله مزوغه مش زميل غايب !..

لم أكد أكمل عبارتى حتى ندمت على التنويه بمعرفتى بأننى كنت بديل"مريهان"بالتحديد و ليس أحد غيرها!

بدوت كأننى أقول له ..أنت من قمت  باستغلال سلطتك و سخرتنى للعمل.. من أجل إمرأة أنت فى علاقة غرامية معها..

و بدت كلماتى كتهديد واضح وصريح!

بدا متفاجئاً ،و صمت يفكر للحظة قبل أن يقول متائنياً:

- يعنى أنت متضايق من شغل الطوارئ..طيب أيه رأيك؟..من بكره هتنزل عنبر الحروق..محتاجين دكاتره هناك!

"- تمام يا دكتور!"قلتها فى إحباط،و هززت رأسى بقبول المضطر..فقسم الحروق هو أسوء قسم فى المستشفى كلها..و كل من يعمل هناك يطلب النقل بعد أيام..لكننى مستعداً للعمل فى أى مكان..بشرط أن ينتهى هذا الموقف السخيف.

- أي خدمة تانيه؟

سألنى بابتسامة صفراء..و الطلب على طرف لسانى..ممكن ارجع الطوارئ؟!

لكننى احتجت لمجهود جبار..كى أرد عليه بابتسامة أكثر اصفراراً من ابتسامته..قلت:

- لا شكرا!

***********

"سامو عليكو آتكتور"

يا فتاح يا عليم!

توقفت عن الكتابة..و رفعت رأسى لأرى من القادم..مفكراً فى كيفية هذا السلام الذى يبدو أقرب للسباب..كان"حماده"لهذا قلت بتنهيدة متعبة:

- و عليكم!

سأل الأخير،و هو يفرك كفيه فى قلق:

- شكلك أضايقت لما شوفتنى؟

 قلت دون أن أتوقف عن الكتابة:

- لا أبداً..ها.. فين الحرق اللى جاي تعالجه؟

رد فى فزع:

- حرق أيه أ تكتور؟.. فال الله و لا فالك!..مانا قدامك زى الجن أهو!

مد رقبته ليتطلع من فوق كتفى على ما أكتب..قبل أن يقول:

- خطك حلو أوى أ تكتور..هو أنت بتكتب أيه؟!

"- مش شغلك!"سددت كلمتى كقطعة فلين لتسد حلقه..لكنه قال فى سماجة:

- هه!..ماشي أتكتور.. مشكرين!

قلت ببرود:

- العفو..أى خدمه!

سأل بدهشة:

- مالك أتكتور؟..كلامك واقف كده!

نحيت ما أكتبه و سألته بنفاد صبر:

- أنت جاي عايز أيه دلوقت؟

قال بسرعة:

- عايز أتبرع بدمى.

كأنه يتبرع بالمجان!

و الحقيقة أنه يبيع دمه مقابل خمسين جنيه،وعلبة عصير..و هو ثمن بخس- برأيي -حتى مقابل دمه المليئ بالبانجو و حبوب الباركينول المهلوسة الشهيرة ببرشام الصراصير!

سألته فى سخط :

- و أنا مالى يا ابنى ؟.. مرحتش المعمل ليه؟


 

 لكمة خطافية!


قصص اخرى

أضفت و قد بدأ الصداع يضرب عينى اليسرى:

- و بعدين أنت مش لسه متبرع من أسبوعين؟!

رد بسرعة:

- ماهوا أستاذ"نبيل"بتاع المعمل قال كده برضوا!

..سألته متألماً:

- أستاذ"نبيل"مين؟!..قصدك د/"ميخائيل"؟

- الله ينور عليك!..هوا تكتور"نبيل"..قال ما ينفعش .. 

قلت مؤمناً على كلامه:

- عنده حق..لازم فتره..شهرين على الأقل. قبل ما تفكر تتبرع تاني.

هتف متسنكراً:

- حتى أنت أتكتور ؟مشيها أنت الله يرضى عليك...محتاج فلوس.متعملش زى أستاذ"نبيل"!

قامت وقفت بجواره واضعاً كفى على كتفه..وقلت بصبر:

- أولاً أنا مليش دخل بالمضوع ده خالص..ده تخصص د"ميخائيل"..ثانياً أسمه  د"ميخائيل منير"..ماسموش"نبيل" ..و مش أستاذ على فكرة..ده دكتور..و ما دام قال مايتفعش تتبرع.. يبقى ما ينفعش!

سأل بخيبة أمل:

- يعنى مش محتاجين دم دوقتى!

سوقته ناحية الباب..ثم أشرت إلى النافذة العريضة فى منتصف الرواق..و قلت له بضيق: 

- شايف الشباك الكبير اللى مفتوح هناك ده..لو عايز تنتحر..روح أرمي نفسك منه..عشان أنتا عندك انيميا أساساً.. لو سابتك تتبرع بدمك هتموت هنا حالاً!

أصفر وجهه فى خوف..لكنه عاد يلح:

- طب أعمل أيه دوقت..مزونق أتكتور و المصحف..

فركت وجهى بكفى فى ضيق..قلت:

- أطلع بره يا"حماده"!

أضاف فى توسل:

- طب عكش خمسين جند سلف.

كان يقصد خمسين جنيه سلفاً..لكن لم يكن لدي فائض مال أو حتى رغبة فى أقرضه ..خاصة أنه سيشترى بما سيأخذ مخدرات على الأرجح..لهذا قلت فى أصرار:

- أطلع بره!

و ما أن أستدار خارجاً من الباب حتى هرعت إلى حقيبتى أبحث عن شريط المسكّن..كان فارغاً بالكامل..رغم أننى كنت متأكداً من أن به حبتين حين وضعته فى الحقيبة!

أفرغت محتويات الحقيبة على المكتب فى فزع مجنون..فبالكاد أستطعت تمالك نفسى أمام"حماده..كيف سأقضى بقية اليوم بذلك الألم..تناثرت محتويات الحقيبة على المكتب و الأرض..بحثت بعناية عن حبة المسكن دون جدوى بين أغراضى المبعثرة..و ركعت بجوار المكتب لأبحث عنها..ربما تدحرجت على الأرض..عندما شعرت بالحبة تسحق تحت ركبتى..يال الكارثة!

كيف سأتصرف الآن؟!

ليتنى لم أطرد"حماده"..ربما كانت معه حبة ترامادول!

**************************************************

"ممكن أعرف أيه اللى أنت عملته ده بالظبط"قالها د"أحمد"الذى أقتحم عنبر الحروق كالعاصفة..قمت من مكاني بسرعة،و قلت بصوت خفيض:

- أهدى لو سمحت..فيه عيانيين محتاجين الراحه!

لكنه صاح فى غضب:

- أنت متقوليش أهدى..ليك عين كمان تتكلم!

لم أكن أعلم عما يتحدث بالضبط..لكن..هل يعقل أن يكون قد رأنى، و أنا أجرى خلف "حماده"فى الرواق؟!..

- أنا جايلك من البيت مخصوص!..أمبارح أفتكرتك مُت..و النهارده أعرف أنك جاي المستشفى الساعه سبعه..طبعاً نايم طول الليل..أمال أيه؟..مش فيه حمار سهران بدالك!..بسببك مارحتش الكليه النهارده..مع أنه اليوم الوحيد اللى كان ينفع أروحه!

ارتسمت على شفتي ابتسامه خفيفة..قلت فى نفسى:

يا عينى!.. أنت من أخذت shift السنيورا بالأمس..لهذا أنت غاضب؟

الحمد لله.. ظننتك رأيتنى أخذ حبة الفراولة-من "حماده"!

"حماده"!..ترى هل غادر المستشفى؟

هرعت نحو النافذة التى تطل على مدخل المستشفى..أبحث بعينى عن ذاك الوغد..آملاً فى أن يكون قد رحل دون أن يلتقى بدكتور"نعمان"..ربما أفلت لسانه بشئ أمامه

- ممكن أعرف بتبص على أيه؟!سأل د"أحمد"بسخط حين رأني أنظر من النافذه

قلت ببساطة:

- بشوف عربية البطاطا لسه راكنه تحت..و لا حد خدهاّ! 

سأل بدهشة وضيق مستنكراً:

- عربية بطاطا أيه؟!..أنت بتقول أيه بالظبط؟!

ألتفت إليه،و قلت:

- ما هو حضرتك محسسني أنك الوحيد اللي مشغول هنا..و أنا باجي المستشفى أبيع بطاطا!..عموماً يا دكتور  آسف لحضرتك..عشان معرفتش تحضر النهارده فى الكليه..برغم إن ده مش ذنبى!

عقد ذراعيه أمام صدره..و سأل بإستنكار:

- و الله !..أمال ذنب مين؟!..مش أنت اللى غبت فى shift الطوارئ بتاعتك أمبارح؟!

قلت نافياً بضيق:

- لأ مغبتش..!..علشان أتنقلت من الطوارئ  أمبارح...و نزلت عنبر الحروق!

سأل بجفاء:

- طيب و أسمك بيعمل أيه فى جدول السهر؟!أنا قريته بنفسي!

سألته فى حيرة و قلق:

- جدول أيه؟..وفينه الجدول ده ؟!

رد بسرعة:

- عند د"مصطفى"فى مكتبه! 

لكمة فى الوجه!

و رن فى أذنى جرس أنتهاء الجولة الأولى !

أنهاها د"مصطفى"بلكمة خطافية غير متوقعة..

 لم أكن أعلم أنه يجيد الملاكمة!

 أختار د"أحمد" بالذات..و -هو- أكثر أهمية  من أن يكون بديلاً لى..كى يصيبه بالجنون..

كأنه-د"مصطفى"-أراد أن يسند باب غرفته بحجر..فلما لم يجده..أسند الباب بالميكروسوب! 

غادر د"أحمد" المكان-بعد أن فرغ شحنه العاطفى- و هو يتمتم ساخطاً:

- ما هى ناقصه  قرفك  أنت كمان!

ابتلعت أهانته التى لم أجد رداً مناسباً عليها..و قد تسمرت مكانى لدقيقة كاملة أنظر ناحية الباب الذى خرج منه للتو..ثم ذهبت لأتفقد مريضاً يتململ فى فراشه

- لسه نايم!

-بسم الله الرحمن الرحيم!

..ألتفت ورائى فوجدت د/"طارق"زميلى فى عنبر الحروق جالساً فى ركن قصي..يقرأ رواية  من روايات الرعب..كأنه لا يكفيه كل هذا الرعب الذى يملأ المكان حولنا!

..متى جاء هذا؟!..ربما دخل بينما كنت مشغولاً بالشجار مع د"أحمد"

أضاف بهدوء مرعب، دون أن يرفع عينه عن كتابه ذى الغلاف البشع:

- آخد حقنة مورفين عشان يعرف ينام..معظم مصابين الحروق مابيناموش من غير المسكنات!

كيف رأنى من وراء كتابه الذى يشبه الكومود؟!..و لماذا لم يتدخل حتى بكلمة ليفض الإشتباك الذى وقع منذ قليل؟!

الحق إنه لإنسان غريب..غريب!

*****************

"لفت نظر..و عنبر حروق فى يوم واحد!"قلتها"نادين"بإستغراب..بينما كنا نسير فى الطرقة بين العيادات..

- هو أيه اللى بيحصل معاك بالظبط؟!

تذكرت المقلب الذى دبره لى د/"مصطفى"..و كرمه الحاتمي فى عدم مجازاتى على غيابى عن سهرة الطوارئ-التى لم أخُبر بها -و أكتفى بلفت النظر..حين قال:

- أنا قلت هتنزل عنبر الحروق من بكره..فحضرتك مصدقت..و سبت الshift بتاعك و روحت!..كان المفروض تراجع الجدول الأول!

قلت لها:

- أصلاً اللخبطه كلها حصلت بسبب النقل..بس دى غلطتى..كان المفروض أراجع الجدول علشان متحصلش غلطه زي اللى حصلت دى!

توقفت"نادين"و عقدت ذراعيها أمام صدرها..و سألت بضيق:

- و الله!..و فينه الجدول ده إن شاء الله؟!..مش المفروض يتعلق؟

قلت مدافعاً دون سبب:

- ما هو الجدول كل شويه بيتغير!

نظرت لى بشك..قبل أن تسأل:

- و أيه حكاية خناقتك مع د"أحمد"؟..أزاي يروح يزعق و يهلل وسط العيانين؟

ما أسرع إأنتقال الأخبار فى هذا المكان!

- ..د"أحمد" معذور برضو فاللى عمله..مناقشة الPh بتاعته قربت..و كان محتاج يراجعها مع د"صفاء"..بس أنا من غير مأقصد ،بوظتله كل حاجه!

تطلعت لى فى حيرة..قبل أن يقول بإندهاش:

- ماشي يا حضرة الملاك!..على كده مديقتش لما جه يزعق معاك؟

-أتضايقت طبعاً..بس عارفه ايه إللى هيجيبلي جلطة قريّب ..و احتمال أتشل بسببه..د/"طارق"زميلي فى عنبر الحروق!

ضيقت عينيها محاولة تذكر الأسم..سألت:

- د"طارق"مين؟ ثم  أضافت هاتفة و قد تذكرته :

- "طارق"اللى دقنه خفيفة ده،يدوب منبته و عنده شعر أبيض فى دقنه..اللى شكله مكتئب ده؟!..عمل ليك أيه دا كمان؟!

- كئبنى والله !..النهارده ساعة ما د"أحمد"جه واتخانق معايا..و كان فضل شويه ،و نضرب بعض.. بعد ما مشي..مش عارف ليه بصيت ورايا ..فلقيت الأستاذ قاعد فى ركن..كأنه مش شايفنا..بيقرا قصة رعب..و لا على باله حاجه..كأنه فى كوكب تانى!

علقت ضاحكة:

- حاجه غريبه أوى فعلاً! ..و عملت ايه فى موضوع "مريهان"؟

- مالها"مريهان"؟!سألتها فى دهشة..كأننى نسيت الأمر برمته..ثم صحت بعحب مدعياً التذكر:

-آه.. الموضوع ده طلع بلح!

- طلع بلح ازاي يعني؟!

سألت فى دهشة فأجبت بضيق متحاشياً النظر في عينيها

- يعني طلعت غلطان يا"نادين"!

ثم اضفت بنبرة اهدئ:

- كنت مصور الجدول كذا صوره..و لما راجعت الصور..اكتشفت إن الخانه إللى فيها أسم د/"مريهان" فى shift طوارئ تانى..في اليوم إللى قبلي.

سلطت عينيها الواسعتين..كأنها كشافات معسكر نازي تمسح المكان بحثاً عن فدائي فرنسي يتسلل..و قالت في شك:

 -شكلك مش طبيعي.. أنت عرفت حاجه كده..و بتحاول تخبيها!

نظرت بعينيها محاولاً تحمل وهجها..و قلت منهياً الحوار:

- أخبي أيه ؟..أصلاً مفيش حاجه عشان أخبيها..انا عمري خبيت عليكي حاجه؟!..حتى لو حاولت مش هاعرف!

ثم أردف محاولاً تشتيتها: 

- شوفتي"حلمى"؟

ردت بسرعة:

- أنا مش بس شوفته..دانا بعدي أطمئن عليه كل يوم..ده ولد زي العسل!و بيحب الشيكولاته موت!..هوا مش المفروض كان يخرج يوم الأربع اللي فات؟

- آه فعلاً..د/"نعمان"مدد إقامته كمان أسبوع..اعتقد إن ده ليه علاقه باللي اكتشفته إمبارح!

- طب و هوا أيه إللى حصل إمبارح؟!

قلت في جديه:

-إمبارح..حصل حاجه كده خلتني أفتكر كلام عمي"سمير"عن "التوربيني"و اطفال الشوارع..

كنت أقصد ما حدث بين"مريهان" ود/"مصطفى" في مكتب الأخير..لكننى لم اصرح لها بهذا حفاظاً على سمعة أستاذي

- بالإضافه لإنى كنت شاكك مالأول..إنه حصل على"حلمى"حالة إعتداء جنسي..فعملتله فحص ..و طلع شكي في محله للأسف!..و إنه فعلاً تم اغتصابه..خمس مرات على الأقل!

اتسعت عينيها في رعب..و سألت مصدومة:

- تقصد ايه؟!قصدك إنه لسه فيه"توربيني"تانى..متساب بيغتصب الأطفال في الشوراع؟!

- المره  دي"توربينه"..مش"توربينى"!..لأن إللى اغتصب "حلمى"واحده ست!

********************

"واحده ست؟!..أزاى يعني؟!"سألت"نادين"بإندهاش وصل منتهاه ..فقلت بثقة:

- مش أى واحده ست..دى case!..عندها 

Pedophilic disorder وsexual sadism بدرجه كبيره..واضح إنها أتعرضت لsadistic rape فى فترة طفولتها!

هتفت"نادين"بدهشة و إنفعال :

ـ يا سلام!..و عرفت منين كل الحاجات دى يا عبقري؟!

هززت كتفي فى إستهانة..قلت:

- من الفحص..فيه على جسمه خدوش و كدمات،و love bites..و.....

قاطعتنى بضجر:

- دا على أساس إننا عايشين فى النمسا!هنا الناس بتضرب ولادها عادى!..مش ممكن تكون أمه هى اللى ضرباه و عضّاه،و مفيش love bites،و لا إغتصاب و لا حاجه!

قلت أسايرها:

- معاكي..فعلاً فيه أهل بيضربوا أولادهم بوحشيه..و فيه حالات بتيجي المستشفى بإصابات أحياناً بسيطة،و أحياناً كسور و شروخ عظام..و شوفت عضات كتير كمان فى أماكن غريبة..تخيلي مره واحده عضت أبنها من دماغه!..بس مستحيل أم تعض أبنها فى المكان ده!

عضت"نادين"على شفتها فى حرج ،و سألت قد تورد خدها بحمرة الخجل:

- ليه هي عضّاه فين؟!

تجاهلت الرد على سؤالها منعاً للإحراج،و قلت:

-ده بإضافة لتوسع عضلة الشرج..وده بيحصل بس...

قاطعتنى بسرعة:

- متنساش أنه مدمن تارمادول..و دا أعراضه الإنسحابيه بتعمل ساعات أسهال شديد..و لو سلّمنا أنه أتعرض لأغتصاب فعلاً فى منطقة الanal..المنطقى يكون المعتدى راجل..أيه اللى مخليك مصمم إن المعتدى أنثى!

قلت بإندفاع:

- فى طرق كتير للأعتدءات الجنسية ..ممكن باستخدام عصايه أوsex toys..لكن المؤكد إن العض و الشراسه دى وراها female..أنثى فى قمة الشبق..غالباً سنها بين التلاتين للأربعين..و مركبه طقم أسنان بورسلين جميل جداً..تحفه!

نظرت لى بذهول،و عدم تصديق..ثم قالت بإستهزاء:

- آه طبعاً..مانا نسيت إنى هتجوز شرلوك هولمز!..خبير المعمل الجنائي ..لأ و خبير خطوط كمان..بأمارة صوابع الست"مريهان"!

قالت عبارة الأخيرة بغيرة واضحة!

كانت تُلمح لفشلى المزعوم،فى معرفة خط يد الآنسة "مريهان"..

آه لو عرفت الحقيقة يا صديقتى!

إبتسمت -رغماً عنى-لغيرتها عليً..سألتها بدهشة،و سرور لم أفلح فى أخفائه:

- أنتى غيرانه يا دكتوره!

ردت مستنكره بضيق:

- أنا أغير!..ليه؟ هوا أنتا فاكره أحلى مني؟ّ!

- و الله أنا مش فاكرها أصلاً،و لا شايفها من أساسه!.لما الشمس بتطلع كل الكواكب بتختفى!قلت مهدئاً..فردت بابسامة خجلى جعلتنى أذوب حرفياً.. قالت و قد تورد خداها:

- يا سلام!

قلت فى هيام:

- أنتى ما سمعتيش نزار قبانى ،و هوا بيقول:

أنا لا أفكر..

أن أقاوم ، أو أثور على هواك..

فأنا وكل قصائدي..

من بعض ما صنعت يداك..

إن الغرابة كلها..

أني محاطٌ بالنساء..

ولا أرى أحداً سواك..

قالت و قد ازداد تورد خداها بحمرة محببة:

- كذاب أوى !..بس عجبنى ردك الصراحه..المره دي براءه!

****************

أخذت أشق طريقي بين الزحام بصعوبة..برغم أننا مازلنا فى بداية يوم العمل..لكن المختلف هذه المرة أن الجمع المتزاحم يتكون من عدد كبير من الأطباء و الممرضين.

سألت "محسن" الممرض الذى كان يتصعب،و يضرب كفاً بكف بصوت مرتفع ليتمكن من سماعي:

- أيه؟ في أيه يا"محسن"؟..أنتوا عاملين إضراب و لا أيه؟

هتف ،و هو يتشبت بذراعاي فى لهفة:

- د"مجد"..شوفت اللى حصل!..د"نعمان"ود"عشري"المدير،بيتخانقوا من الصبح..و محدش عارف يسلكلهم من بعض!

د"نعمان"يتشاجر مع د"عشماوي"!

- و ليه بيتخانقوا؟..هو أيه اللى حصل؟!سألت بدهشة..ليجيب "محسن":

- أصل د"عشري"طرد عيل كان بيتعالج مع د"نعمان"!

لم يخطر ببالي أنه يقصد"حلمى"..فكلمة "عيل"،هذه تطلق فى مصرعلى  فئة عمرية تمتد من سني العمر الأولى حتى بداية مرحلة البلوغ 

سألته:

- و ليه المدير طرد الولد ده؟

- هوا مش طرده طرده ..هوا الواد ده كان المفروض يمشى الأسبوع اللي فات..بس د"نعمان"مامشهوش!

فى تلك اللحظة و بينما كنت أتوغل فى قلب الزحام., سمعت د"عشماوى"يصيح:

- أنت تحترم نفسك لما تكلم معايا!..عشان أنت مش محترم!

لم أتخيل أن أسمع مثل هذه الكلمات توجه لدكتور"نعمان"في أي يوم من الأيام!

- أنت اللى معندش ضمير..صدق اللي سماك"عشماوى"!..أزاي ترمى طفل زي كده فى الشارع يا مفتري؟

"حلمى"!

ألتفت ورائي لأسأل "محسن"عن اسم ذلك الطفل فلم أجده!..ذاب وسط الزحام..

- كل اللي فى المستشفى مسمينك "عشماوى" علشان .......و مفيش فى قلبك رحمه!

-أحترم نفسك بقولك و بلاش سفالة!..متنساش أنك بتكلم مدير المستشفى!

- يا عم روح...........!

يعنى ايه مدير يعنى!.. هترفدنى؟!..أنا اللى هاقدم أستقالتى فى الوزارة بكره الصبح ..عشان ميشرفنيش أشتغل مع شوية ولاد........حراميه زيكوا!

- د"صلاح"!هتفت منادياً فالتفت:

- متعرفش الولد اللى أنطرد ده أسمه أيه؟

نظر لى بدهشة ممزوجة بالغيظ.و لسان حاله يقول-هل هذا كل ما يهمك؟!.. قال بإنزعاج.:

- لأ يا دكتور معرفش!

- طيب متعرفشي مشى أمتى؟!

تجاهل الرد علي تماماً..فقط رماني بنظرة مشمئزة و أنصرف!..عندما شعرت بكف عملاق يوضع على كتفي من الخلف..قال صاحبه -الذى لا أعرف أسمه-فى أسف:

- مشى أمبارح العصر يا دكتور!

سألته فى لهفة:

- و عرفت راح فين؟

- تعالى أوريك راح فين..

أمسك بكفى ،وأخرجنى من وسط الزحام ، بجذبة واحدة..فوجدت نفسى واقفاً أمام عملاق بالكاد أصل إلى مستوى كتفه..قال بحزن:

-  أنا اللى شيلته أمبارح و وديته مكان بعيد عن المستشفى!..بس أعمل أيه؟..حكم القوى عالضعيف!

***************

"- ألو..د"طارق"أنا"مجد"ممكن تعملي أجازه عارضه؟"سألت د/"طارق"زميلي بعنبر الحروق على الهاتف..فرد بصوت مشوش:

- ......"مجد"أ....فين؟....الدنيا مقلو....كتا......عالى بسرعه!

- مش فاهم أنت بتقول أيه يا دكتور..أنا أجازه النهارده..عندى ظروف قهريه،و مش هقدر آجي..أنت سامعنى يا دكتور؟

- أيوا..صوت كدا أحسن..كنت بتقول أيه؟سأل د/"طارق"الذى يبدو أنه أنتقل بجوار النافذة لأن صوته صار أوضح..،بينما الرجل العملاق يبتعد قاصداً المكان الذي ترك فيه"حلمى"-و قد تركني خلفه-قلت فى عجلة:

- أعملي أجازه عارضه..سلام دلوقت يا دكتور! أغلقت الهاتف،و وضعته فى جيبي ،و أنا أجد السير خلف مرافقي الضخم،منادياً

- يا عم أنت أستنى ..رايح فين؟يا عم!

توقف مكانه،و التفت إلي ّبعد عدة نداءات..وصلته بعد أن أنقطعت أنفاسى من الهرولة خلفه..سألته فى سخط: 

-هوا أنت جريت روحت فين؟ أحنا مش ماشين مع بعض؟!.. لسه كتير على ما نوصل؟

لم يرد..فقدرت أنه قد تبقى يومين حتى نصل!

يبدو أنه كان يتعامل مع الولد على أنه قطاً يريد تسريبه..

تباً لك يا"عشماوى!

"و الله يا دكتور الواد ده قطعّ قلبى بعياطه،و هو بيقولّي أنه مش عايز يمشى من المستشفى غير لما أمه تيجي تاخده"

قالها الممرض العملاق،ذو الرأس الحليق الذى لا يتناسب حجمه مع حجم جسمه شديد الضخامة..و و على وجهه علامات إنكسار لا تليق بقوته العاتية..أضاف و هو ينظر للأرض فى خجل:

- لولا أنو عندى سبع عيال..كنت خدته البيت عندى!

 سبعة أطفال!..يبدو هذا عدداً قليلاً لينجبه هذا الهرقل!

يا رب كل ما اتمناه أن أنجب طفلاً واحدا أو طفلين..لن أكون طماعا.. و لا أريد إرهاق ميزانية الدولة..!

لا أدرى لما خطرت لى خاطرة الغريبة الآن..و برغم أن مرافقي ظل يتكلم طوال الطريق لكننى لم  أسمع أى شئ مما يقول ..فقط كنت أشعر بطنين قوى فى أذنى..و بثقل غريب فى جسمى،كأنما أمشى فى قاع البحر ..عندما قال فجأة بعد  نصف ساعة من المشى الشبيه بالهرولة:

- هنا!

نظرت إلى المكان الذى وصلنا إليه تحت كوبرى مزدحم تمر السيارات من كل مكان فيه! 

  أخذت أتلفت حولي فى حيرة باحثاً بعينى عن"حلمى"بين المارة..بعض أطفال يبيعون المناديل الورقية للعابرين..و أخرون ينامون على الرصيف وسط القمامة..و انتابنى اليأس..و ازداد شعوري بالمرض..عندما لمحت مجموعة من الأطفال يستنشقون صمغ الأحذية الشهير ب"الكلة" من كيس..ربما كان"حلمى"بينهم !

أسرعت نحوهم محاولاً أجتياز حارة مخصصة لعبور السيارات..عندما دوى بوق مزعج لسيارة ميكروباص

- حاسب يا دكتور!

صاح مرافقى عندما صرت فجأة معلقاً فى الهواء ..فقد خطفنى بذراعه الشبيه برافعة الونش من أمام السيارة..لو تأخر دقيقة لكنت تحت عجلاتها الآن!..

و انتابنى شعور مفاجئ بالغثيان..فتقيئت على مؤخرة السيارة ..بينما سائقها يسبنى ساخطاً:

- أيه ده يا حمار !..شاربين أيه عالصبح الله يخرب بيوتكم!


 يتبع